الكاتبان الفرنسيان، فردريك بيغبيدر وليك لانغ، يطرحان سؤالاً هاماً هو: كيف يمكن الكتابة عن حدث جسيم هيمن على جميع وسائل الإعلام طيلة أعوام طويلة؟ في روايته « نوافذ على العالم «يمزج فردريك بيغبيدر المتخيل مع السيرة الذاتية والفكاهة بالخيبة والنقد بالسخرية.
أنه يسرد علينا اللحظات الأخيرة لأب وولديه السجناء في المطعم الكائن على قمة أحد برجي التجارة «وولد تريد سنتر» الذي تعرض للتفجير في صبيحة الـ 11 من سبتمبر من عام 2001 وهو يستعرض في الوقت ذاته سنوات طفولته الباريسية وإقامته في نيويورك وحب الأدب ونقد الذات بقوله « كنت أتهم بالوصولية وعدم الاهتمام إلا بذاتي «... الخ.
وهل يمكن أن يؤلف كاتب « نرجسي « رواية عن هذا الحدث التاريخي؟ لكن هذه الرواية بلغت درجة من الأهمية بحيث خصص لها الكاتب الفرنسي الشهير فيليب سولرز ارفع جائزة أدبية فرنسية وهي « الغونكور «.
وهذا الكاتب، المولود في عام 1965 في ضاحية نويي سور سين الباريسية الراقية، بدأ الكتابة في عمر الخامسة والعشرين. أصدر أول رواية له بعنوان « العطلة في الكوما « 1994» وتبعها برواية « الحب يدوم ثلاثة أعوام « 1997 و 99» فرنكا 2000» وهو يشغل منصب المدير الأدبي في دار نشر فلاماريون الباريسية الشهيرة. يذكر الروائي فردريك بيغبيدر، بأنه كان متواجدا في دار نشر « غراسيه « الباريسية عندما سمع بنبأ التفجيرات وأول ما تبادر إلى ذهنه هو السؤال عن ابنته التي تقيم في الولايات المتحدة.
ويؤكد بأنه لا يمكن أن يكتب رواية متخيلة خالصة عن تفجيرات ال 11 من سبتمبر على الرغم من أهمية الرؤية الشخصية. «وهناك بديل في روايتي عن المتخيل وهو اللحظات الأخيرة التي سيعيشها الأب وولديه في المطعم الكائن في قمة أحد البرجين وعلى الخصوص بأنني كتبت هذه الرواية في المطعم الكائن في برج مونبرناس في الطابق الـ 56.
وقام الروائي بالجمع بين مقالات الصحف والملحمة والسرد الروائي والمقالة. أما البقية، فتتعلق بمسألة بناء الحدث الروائي. ويقول الكاتب « لسنا أول من كتب عن تفجيرات ال 11 من سبتمبر، فهناك آلاف الكتب حول الموضوع. وجميعنا حاول الإجابة على السؤال التالي: لماذا ؟
وقليل تساءل : كيف حدث ذلك ؟ حاولت أن أتخيل ما حدث « وقد ضاق المؤلف ذرعا بالمقولات التي تقول أن الأميركيين يستحقون ذلك والنزعة المعادية للأميركيين بصورة آلية إذ يمكن أن ننتقد الرأسمالية دون أن ننتقد الأميركي». وعن الأسباب التي دفعته إلى كتابة هذه الرواية، يؤكد لكاتب أنها الرغبة في الكتابة عن الممنوع وللأدب الفرنسي تاريخ طويل في التمرد والعصيان على ما هو سائد.
أما الكاتب لوك لانغ، فكان متواجداً في مونتانا بلد الهنود، وكان مدعوا عند أحد الهنود حيث اتصل به أحد أصدقائه ليخبره بأن ثمة أحداثا رهيبة وقعت في نيويورك. ويقول بأنه جاء إلى هذه المنطقة لكي يتحدث إلى الهنود ولكن هذا الحدث الدرامي الهائل حجب عنه ذلك. يسلك هذا الكاتب طريقا آخر في معالجة هذا الحدث الدرامي، طريق أكثر تعقيدا في روايته المعنونة 11»سبتمبر... حبيبي « على نسق رواية مارغريت دوراس « هيروشيما... حبيبتي « وهو يقود القارئ لرؤية مشاهد استثنائية في منطقة « مونتانا « الذي يقطنه الهنود حيث يكتشف نبأ التفجيرات من هناك من خلال شاشة التلفزيون ويصاب بالكبت عندما يصبح عاجزا عن فهم تاريخ الهنود.
وهكذا يعطي لوك لانغ رؤيته الخاصة عن أميركا ويدين العنف السائد فيها. كما يكرم الضحايا عبر رسائلهم التي بعثوا بها إلى ذويهم وأقاربهم من خلال خطاب غاضب ومخيب. ولد الكاتب لوك لانغ في عام 1956 في ضاحية سورين وأقام في كل من إيطاليا وأفريقيا واليابان.
ويعمل أستاذا للجماليات في معهد الفنون الجميلة. أصدر رواية « رحلة على خط الأفق « و « ليفربول.. بحر متلاطم « و» غضب « و « 1600 بطن « و « الهنود «. ويقول الكاتب أن فكرة الرواية خطرت على ذهنه بعد مرور شهرين على الحدث « ومنذ ذلك الحين، بدأ الكاتب بقراءة الصحف الأميركية التي أخذت تقارن بين بيرل هاربور وبين تفجيرات ال 11 من سبتمبر.
وفي نظر الكاتب أن هذه المقارنة تنبع من الهلوسة لأن هجوم بيرل هاربور كان عملية عسكرية. والحديث عن اليابان يؤدي بنا، كما يؤكد الكاتب، إلى الحديث عن الضحايا المدنيين. ولعل أول صورة تراءت للكاتب هي صورة ضحايا هيروشيما. ولهذا يقول « لم يكن أمامي من تسمية أخرى سوى « 11 سبتمبر... حبيبي «، ولم يكن متوفرا أمامي سوى العنوان. يقول الكاتب « إن الصعوبة التي واجهتها هي الصور الجديدة التي عرضتها شاشات التلفزيون. والتحدي الذي واجهته هو « هل يمكن أن أعطي لتلك الصور ذات القوة عن طريق الكتابة ؟
«. يضاف إلى ذلك، تسجيلات أصوات الناس كما لو أنها كانت أصواتاً قادمة من العالم الآخر، وهي تودع أهلها وأقاربها. « لا أعتقد أنه من الممكن الحديث بدلا عن الناس الذين اختفوا « ويضيف « أنني أحيي التلفزيونات الأميركية التي رفضت عرض صور الضحايا الذين يرمون أنفسهم من نوافذ برج التجارة العالمية في حين عرضت التلفزيونات الأوروبية ذلك «. وبالنسبة للكاتب أن تاريخ هذا اليوم لم يتوقف بل هو تاريخ يتواصل.
شاكر نوري