كانت الإمبراطورية الرومانية القوة الأكبر في عصرها، ورمزا لتوحيد أوروبا وتأكيد تفوّقها على الصعيد العالمي. لقد استطاعت أن تمدّ سيطرتها على الجزء الأكبر من القارّة وأن تصبح أيضا رمزا للمسيحية. لكنها لم تستطع الصمود أمام زحف «البرابرة» الذين قدموا من آسيا الوسطى بقيادة اتيلا الملقب بـ «الجبّار».
مع ذلك بقي حضورها قائما في أذهان الأوروبيين بعد قرون طويلة من سقوطها، بل أن آثارها لا تزال فاعلة في العديد من مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط. سقوط هذه الإمبراطورية على يد «اتيلا»، هو موضوع كتاب المؤرخ البريطاني «نهاية إمبراطورية: اتيلا وسقوط الإمبراطورية الرومانية».
يقدم المؤلف بداية لمحة تاريخية عن المحطات الأساسية التي عرفتها الإمبراطورية الرومانية منذ تأسيسها وحتى سقوطها. ويركز المؤلف في تحليلاته على شرح الظروف التي رافقت سقوط الإمبراطورية الرومانية. هكذا يعود إلى أواخر القرن الثاني الميلادي وإلى آسيا التي كانت تعرف آنذاك حالة من الجفاف الكبير الذي ترتّب عليه جفاف ومجاعات ضربت سكان تلك السهوب من الرحّل. مثل تلك الحالة دفعت تلك القبائل المدعوّة بـ «الهونس»، إلى ترك مناطق ترحالها والتوجه شرقا نحو الصين أو غربا نحو القارة الأوروبية.
ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يشرح الدور الذي لعبته القبائل الجرمانية التي دحرها القادمون من آسيا إلى داخل حدود الإمبراطورية الرومانية. لقد حاول الجرمانيون تثبيت مواقعهم داخل تلك الإمبراطورية وأظهروا الكثير من العدائية والميل نحو نهب الثروات مما دفع آخر أباطرة روما إلى اتخاذ قرار محاربتهم. وتسهيلا لتلك المهمة جرى تقسيم الإمبراطورية إلى جزئين مع وجود إمبراطور على رأسها.
وفي نهاية عام 1406 اجتاحت تلك القبائل الألمانية نهر الراين، أي إلى الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية. تلك القبائل كان يُسمى بعضها «الفرنجة»، الذين تعود إليهم أصول فرنسا وبعضها «الألمانس» الذين أعطوا اسمهم للألمان و«الفانداليس» الذين قطنوا الأندلس في اسبانيا. وقد سيطر هؤلاء بالتدريج على مناطق تواجدهم بحيث لم يعد آنذاك للإمبراطور أية سلطة فعلية فيها.
كان «البرابرة» المغوليون القادمون من آسيا قد زحفوا نحو أوروبا واستوطنوا في البداية بالقرب من نهر الدانوب. وكان اتيلا أحد قادتهم هناك حيث انه لا يزال حتى الآن بطلا شعبيا لدى الهنغاريين-المجريين، على أساس أن هؤلاء يعتبرون أنفسهم من سلالة «الماجايار» التركية-المغولية التي تنتمي إلى «الهونسيين»، لكن هذا لا يمنع أن يتم اعتباره في بلدان أوروبا الغربية كـ «رمز للبربرية».مؤلف هذا الكتاب، يرسم من موقعه كمؤرخ بريطاني، صورة لاتيلا باعتباره قائدا سياسيا فذا عرف كيف يقيم مجموعة من التحالفات الإستراتيجية، مع القبائل الجرمانية ولو كان ذلك أحيانا بعد إخضاعها بالقوة والدم.
ويلتقي المؤلف هنا مع العديد من المؤرخين الذين يعتبرون قبائل «الهونس» التي ينتمي إليها اتيلا قد أقامت بالفعل في السهول الهنغارية. وانطلاقا من تلك السهول وسّعت من رقعة سيطرتها إلى مناطق جديدة. وكان ذلك أيضا بحثا عن حالة أكثر استقرارا وأمنا في ظل قائد يرمز لهويتهم.
ذلك القائد وجدوه في عام 434 ميلادي متجسدا في اتيلا الذي استطاع الهونس تحت أمرته بواسطة الغزو والقوة، والسيطرة على مناطق ذات أهمية سياسية وإستراتيجية كبيرة من الإمبراطورية الرومانية. وإذا كانوا لم يستطيعوا أبدا الاستيلاء على روما نفسها. وكان أيضا قد توقف عند أبواب باريس التي كانت تسمّى آنذاك «الوتيس».
وسرت حينها إشاعة مفادها أن «القديسة جنفييف» طلبت من مواطنيها عندما كان اتيلا عند بوابات المدينة، الصوم لمدة ثلاثة أيام طلبا للعون السماوي، وهكذا تخلّى اتيلا عن مشروعه بدخول المدينة. التفسيرات التي قدّمها بعض المؤرخين تقول انه وجد أهمية المدينة أدنى من عناء خوض معركة من أجل الاستيلاء عليها.
بالمقابل يرى المؤلف أنه إذا كان اتيلا لم يدخل أبدا روما، عاصمة الإمبراطورية الرومانية، فإنه قد أضعفها إلى حد كبير. ولكنه لم يدخلها على خلفية اعتباره أنه ليس من مصلحته «تسريع» انحطاطها ثم انهيارها، ذلك أن القسم الأعظم من الميزانية التي كان يمتلك عليها من أجل دفع مرتبات جنوده وكلفة تسيير المناطق التي كانت تقع تحت سلطته، إنما كان مصدره هو «الذهب الروماني» بالتحديد والذي كان قد حصل عليه بطرق غير مشروعة أو أثناء عمليات «التوغل» والتراجع التي كان قد نفّذها.
إن المؤلف يعتمد في التحليلات التي يقدمها على عمل أرشيفي واسع ويقدّم العديد من الوثائق التي تعود إلى تلك الفترة. وعبر هذا يقوم بـ «جولة» حقيقية في التاريخ الروماني والتاريخ الأوروبي القديم الذي كان اتيلا قد «حرّكه» بل وأحدث «منعطفا حقيقيا» فيه.
وكتاب يحتوي الكثير من المعلومات التاريخية، ولكن ذات القيمة الكبيرة لفهم الكثير مما يجري اليوم، حول اتيلا و«السلطة» التي فرضها على جزء كبير من أوروبا، واتيلا الذي زرع الفوضى والرعب في أرجاء القارة كلها. لكنه في المحصلة بنى «إمبراطورية» حقيقية. إنما سرعان ما انهارت بعد وفاته بفترة وجيزة. ولعل هذا الكتاب يوضح الكثير من تاريخ أوروبا المعقّد في زمن اجتياح اتيلا لها وسقوط أهم إمبراطورياتها في تاريخها كله.
الكتاب: نهاية إمبراطورية أيلا وسقوط روما
تأليف: كريستوفر كيللي
الناشر: دبليو دبليو نورتون لندن 2009
الصفحات: 368 صفحة
القطع: المتوسط
The end of empire
Christopher Kelly
W. W. Norton London 2009
863P.