هاروكي موراكامي هو بلا شك أحد أشهر الكتّاب اليابانيين في العصر الحديث، ورواياته تباع بعشرات، بل بمئات الألوف من النسخ، ولعله الروائي الوحيد في العالم الذي قررت دار نشره أن تشرع بإنجاز طبعة ثانية من «روايته الأخيرة» الصادرة قبل أيام في اليابان قبل صدور الطبعة الأولى أصلا، بسبب الطلب المتزايد عليها.
وفي كتابه «الكاتب كعدّاء» يمارس هاروكي موراكامي الكتابة بعمل غير روائي، حيث يمزج فيه بين اليوميات والسيرة الذاتية والتأمل الفكري. ويهتم قبل كل شيء بما تعني له حقيقة الإنسان. ودائما بالطريقة التي يكتب فيها موراكامي من «النثر الحالم» و«الشعرية» التي يتسم بها أسلوبه حتى عندما يكتب عن أشياء الحياة اليومية.
إن موراكامي يعود بقارئه إلى ذلك اليوم من شهر أبريل-نيسان 1978 عندما قرر أن يبيع نادي «موسيقى الجاز» الذي كان يمتلكه من أجل هدف محدد كان يراود أحلامه منذ فترة طويلة وهو «كتابة رواية»، أي الدخول في مغامرة الكتابة.
وفي تلك اللحظة بالتحديد كان هناك تغيير آخر يفرض نفسه على موراكامي، كما يعترف هو نفسه، وهو ضرورة أن يتبنّى نمطا آخر من سلوكية العيش اليومي غير استهلاك ما يزيد عن 60 لفافة تبغ يوميا والتخلص من ذلك «الشحم» الزائد الذي كان قد بدأ يتكدّس في جسده. كان لا بد إذن من «إعادة ضبط الأشياء ووضع قليل من النظام» في حياته، فكانت رياضة المشي لمسافات طويلة وبإيقاع سريع.
من الميزات التي يؤكّد عليها بالنسبة لرياضة السير الطويل السريع على الأقدام على أنها تعلّم صاحبها الصبر والمثابرة وهاتان الصفتان، الصبر والمثابرة هما اللتان ينبغي أن تضاف لهما الموهبة لولوج عالم الكتابة والإبداع، كما يقول موراكامي. هكذا بدأ وهو في سن الثالثة والثلاثين بمغامرتين بنفس الوقت هما المشي السريع والكتابة. هذان النشاطان لم يتوقف عن ممارستهما منذ ذلك الحين وحتى الآن. ولا يتردد المؤلف في القول إن هناك صفات مشتركة كثيرة بين الكاتب والرياضي.
هذا ليس كتابا عن الرياضة بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنه يؤكّد بنفس الوقت على أهميتها بعد أن أصبحت ممارسة عامة وعالمية وبمتناول الجميع وليست حصرا على فئة «أرستقراطية» قليلة كما كان في الماضي. كما أن الرياضة أصبحت موضع اهتمام متزايد للعاملين في حقل الأدب والفن كما يدل وجود العديد من النصوص عن الرياضة لدى كتّاب كبار.
ويدخل موراكامي في هذا العمل إلى الحديث عن التفاصيل فيما يخص رياضته المفضّلة، المشي بحيث يكتب عن اختيار سترات هذه الرياضة وأحذيتها وعن تفاصيل التفاصيل فيما يخص أربطتها وطريقة عقدها. لكن من خلال هذا كله يلج إلى عالم الكتابة وتفاصيله هو الآخر وبحيث إن رياضة المشي تبدو بمثابة «مجاز» يدل على الحياة نفسها ومن زاوية الكتابة بالتحديد.
نقرأ: «بدأت الجري-السير السريع- في خريف عام 1982 ولم أتوقف عن ذلك منذ ذلك الحين وخلال هذه السنوات الطويلة كلها مارست يوميا رياضة الجري وشاركت في أكثر من سباق لهذه الرياضة في مختلف أنحاء العالم».
ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير إلى إحدى «الميزات» التي قد لا يشارك فيها سوى الندرة ممن يمارسون رياضة المشي الطويل، وهي أنه يمتلك قدرة مقاومة كبيرة للحرارة مما يسمح له بقطع مسافات طويلة، كما حدث بالقرب من العاصمة اليونانية، اثينا، عندما مشى لساعات، وبعزّ الصيف، في طرق زاخرة بالشاحنات.
ويروي موراكامي أنه، مثل جميع أولئك الذين يمارسون رياضته، يحب الاستماع إلى الموسيقى عندما يسير متفرّدا. ويعلن تفضيله لموسيقى الجاز، يقول: «أفضل موسيقى الجاز فهي الموسيقى التي ترافق أفضل من غيرها إيقاع السير السريع». إن موراكامي لم يبحث في هذا الكتاب عن التأكيد على مواهبه «المتعددة» وتميّزه و«استعراض عضلاته». لكنه أراد بالأحرى الحديث عن ظاهرة «التقارب» الكبير لديه بين هواية المشي السريع وهواية الكتابة عندما يقول انهما تتطلبان، كليهما، الوحدة والعزلة.
يقول: «أنا من صنف البشر الذين يحبون أن يفعلوا كل شيء - مهما كان- وهم وحيدون. وكي أكون أكثر تحديدا أقول إنني لست من النوع الذي يعذبه كونه وحيدا. ولا أجد أنه من المزعج أو مما يبعث للسأم أن أمضي كل يوم ساعة أو ساعتين وأنا أمارس رياضة المشي-جريا- دون التحدّث إلى أي إنسان، ولا يزعجني هذا أكثر من البقاء خمس ساعات متواصلة خلف مكتبي».
بالطبع موراكامي ليس إنسانا ينقصه الحس الاجتماعي أو أنه يريد الابتعاد عن الآخرين فمسيرة حياته تثبت غير ذلك، ولكنه يرى أن الخلود إلى الكتابة أو إلى المشي لساعات وحيدا يقرّبه من ذاته العميقة. وفي الحالتين يؤكد على غياب مفهوم الغرور. يكتب: «إن مصدر الاعتزاز الذي يشعر به من يمارس رياضة المشي حتى الوصول إلى هدفه يبقى هو المقياس الأساسي بالنسبة إليه.
ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لمهنتي حيث ليس هناك معنى، حسب معرفتي، للفوز أو الخسارة لعمل الروائي. ربما أن عدد النسخ المباعة والجوائز الأدبية التي يتم الحصول عليها تشكل معايير ظاهرية لتحديد النجاح، لكن لا هذه الجوائز ولا ذاك العدد لهما قيمة جوهرية حقيقية. الأمر الأساسي هو معرفة إذا كانت كتاباتك قد بلغت المستوى الذي كنت قد حددته».
المشي السريع سمح لموراكامي، كما يقول، أن يتحلّى بالصبر أكثر، بل ولمعرفة ذاته بعمق أكثر ويكتشف طبيعته الحقيقية، ولتترسخ لديه قناعته أن الروح والجسد يصل بينهما رباط لا انفصام له. ولهذا يحرص على المشي السريع عشرة كيلومترات يوميا مع يوم استراحة أسبوعي واحد و«ماراتون» سنوي. وهو يجري -ماشيا- أو يمشي -جريا- وهو يستمع للموسيقى.
الكتاب: الكاتب كعدّاء
تأليف: هاروكي موراكامي
الناشر: بيلفون باريس 2009
الصفحات: 181 صفحة
القطع : المتوسط
s Autoportrait de lصauteur en coureur de fond
Haruki Murakami
Belfond - Paris 2009
181P.