يتناول هذا الكتاب الخطاب الفلسفي للحداثة الغربية، من خلال تقدم الملمح الفلسفي لمسيرة العقل الغربي، ويقدم مؤلفه المدخل الفلسفي للحداثة بوصفه آلية تفكير منهجي في مقومات الذهنية الحداثية، من خلال مكاشفة نظام التمظهر الذي يتجلى ضمنه العقل الغربي، استناداً إلى أطروحات وأفكار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.

ويطرح أسئلة عديدة حول استعادة لحظة الكوجيتو الديكارتي وتسويغ ممارسته على واقع يتجاوز أطره، والكيفية التي يكون فيها اللوغوس الغربي نموذجا شموليا يرسم تحديدات الفكر، وعما إذا ينبغي أن تظل الحداثة وضعاً إشكالياً، وهل هي بالضرورة حقبة تاريخية أم قيمة ثقافية انبثق منها التجدد العقلي؟ ولا يغيب عنه أن أعمال «فوكو» أثارت الكثير من الجدل الفلسفي، وأحدثت ضجة نقدية على الساحة الفكرية الغربية طيلة أواخر القرن العشرين المنصرم، بسبب تناولها مواضيع ظلت على هامش النص الفلسفي أو أي غير مدرجة في حقل الاشتغال الفلسفي.

ويرتكز الجهد على تبيان الإمكانية الفلسفية التي طرحها فوكو بواسطة النماذج الهامشية في الحضارة الغربية، بمعنى مكاشفة مدى إجرائية اللا مفكر فيه والجائز في المستوى الأنطولوجي، وتبيان أحقية الاختلاف في أن يكون اختلافياً، من منطلق الإقرار بالكثرة ومشروعيتها على الصعيد الثقافي أو المعياري، أو حتى في الحياة الشخصية للأفراد في أقل جزئياتها.

ويبدأ المؤلف بعرض تمهيدي تاريخي لظهور مفاهيم الحداثة في الفكر الغربي، عبر تقديم قراءة لحركية القول الفلسفي منذ عصر الأنوار، بوصفه لبنة أدت إلى تشكل اللوغوس الغربي، ثم ينتقل إلى عرض المدارس النقدية التي اتبعت منهج المراجعة، ونادت بإحياء المشكلة الفلسفية المتعلقة بكينونة الذات، حيث ينبغي أن يظهر الفيلسوف بمثابة الوعي النقدي لزمانيته، أي ليس شاهد عيان، بل مبدع قيم عن طريق نقد القيم وتجديد العقل.

ويقود ذلك إلى تبيان دلالة العقل الغربي، واتجاهه صوب فرض الهيمنة على الأفراد، بواسطة إجراءات موضعية ومؤسسية، ومتابعة منطق الخطاب الحداثوي من خلال مقولات وأحكام، ظهرت قصد تثبيت العلاقات السلطوية في المجتمع الغربي الحديث.

حيث تعدّ الجنسانية آلية تنشيط تقنيات تطويع الجسد، فتظهر الكثافة الجسدية كموضوع استهلاك سلطوي من طرف البنية المؤسسية للمجتمع الانضباطي، وتجعله مستغرقاً بالنتيجة في المنظومة المعيارية التي تفرض فرضاً، الأمر الذي يظهر مدى الاختراق السلطوي للذات، إذ لا يبقى للفرد الغربي أية جدوى تضمن خصوصية أفعاله، نتيجة انتشار ثقافة السلطة باعتبارها فناً لقولبة الأفراد.

وقد ركز فوكو على دراسة الميدان الخطابي كمعطى عيني بدل تحليل المجال الفكري، حيث تمثل مقولة القطيعة ركيزة في نقد الحداثة، مع أنها ليست موقفاً سلبياً، بل لحظة تصحيحية في مسار العقلانية؛ إلى جانب أن فحص مقولة «التاريخ» من جهة النظر إليه كسلسلة من الانقطاعات الجذرية، الأمر الذي يمثل الفهم النقدي للتاريخ الذي يرفض ديماغوجية الحدث التاريخي. وارتكز المشروع الفوكوي على دراسة بنية القول المعرفي، ومعيرة الفعل الحيوي، وشملنة الحدث التاريخي.

ويعتبر المؤلف أن فوكو انخرط ضمن فلسفة النقد العدمي، التي لا تنظر إلى الحداثة الغربية كبداهة، مع أن الرصيد الفوكوي لا يمثل بناء متواصلات من الأفكار، بل ورشات بحث، المقصود منها استشفاف مواطن الضعف في الطرح الحداثي، حيث نظر إلى الحداثة باعتبارها إستراتيجية احتواء الآخر، واشتغل على ثالوث، الذات والرغبة والصدق، بغية تبيان مطبّات العقلانية الغربية حيال الكيانات الاختلافية.

ويبرر الرجوع إلى فوكو بالرغبة في إحياء معيار الخصوصية، لدعم قوة الحضور الذاتي وبحث مشروعية الاختلاف، انطلاقا من اعتبار أن العقل ليس صناعة نخبوية، تهدف إلى إعادة إنتاج المركزية الغربية. ويعتقد أن خطيئة المخيال الغربي، تتمثل في اعتبار عقله معجزة أبدية، بينما العقل هو في المقام الأول سطح متشكّل تاريخياً لا يخضع للتمثيلات الميتافيزيقية، بل يعكس بعثرة الواقع؛ وهو في المقام الثاني سطح متحول كينونياً، تصوغه علاقات تدلّ على كثرة الكيانات الفردية.

لذلك يبدو انبهار المثقف العربي بإنجازات إنسانوية الغرب مبالغاً فيه، بالنظر إلى ممارسات عينية للغرب تجاه الشعوب، حيث الآخر يمثل الحضور الهامشي ثقافياً، وكتلة مستنزفة سياسياً، وهذا يعني ازدواجية التعامل الحضاري، حيث يظل الفرد الغربي يُحطم ويُهشم باسم الإنسان، الذي تحول إلى الأيقونة، ابتدعها ليبرالية الغرب، قصد التحكم في الآخر، في حين يخفي هذا الادّعاء إمبريالية اللوغوس الغربي.

وتمثل فلسفة فوكو التغير الجذري في العقل الغربي، لاهتمامها بالمنظور «الما بعد نقدي»، الذي يتأسس على أبجديات التميز الفردي والخصوصية الكينونية والتبعثر اختلافي، واستجلاء السياقات التاريخية للعقلنة الغربية، مما يستدعي إعادة فحص هيكلة النظام المعرفي من خلال إعادة النظر في مصداقية القول الحقيقي، وبذلك سيضع فوكو الإصبع على ما لا يمكن الاستمرار فيه، وهو سيادة الذات الأنثروبولوجية والإنسانوية؛ وتكوين رؤية شمولية للعالم، وإقامة نظام من القيم؛ والعقل كغاية إنسانية وحيدة؛ والرغبة المشروعة؛ والشكلانية اللغوية؛ والتاريخ كجهد مستمرّ للوعي المنعكس على ذاته.

وبنى فوكو منظوريته النقدية على أساس تقدير طاقة العقل، من خلال تحرير هذا العقل بالذات من طغيان المطلق الفلسفي، الذي كرسته النظرة الكلاسيكية، فتناهي الإنسان هو مصدر قوته وليس نقصاً له، لأنه يدفعه دائماً إلى طلب الكينونة والاستزادة منها أكثر فأكثر، كما أن شمولية النظام العقلاني تنتهي إلى جعل العقل وسيلة استبداد وتعال في يد فئة اجتماعية أقلوية تستفيد منها، والمطالبة بالرجوع إلى تقييم العناصر الجزئية في الذات الفردية دليل عل أزمة المركزة الإنسانوية، المستندة إلى لا محدودية الأنا.

ويتجنب المؤلف الخوض في تقييمات الفكرة الفلسفية للحداثة، مركزاً على المناحي الإيجابية، وضبط الأشكال السلبية للمشروع الغربي، وعلى المستوى النقدي، بعيداً عن المنحى السردي، حتى يبيّن آليات الذهنية الغربية، من خلال التعرف على الإنسان الحديث في وضعياته. ويعتبر أن المشروع الحداثوي ارتكز، منذ بداياته الأولى، إلى اختزال العالم إلى وحدة.

حيث يتربع الإنسان في بؤرتها حتى يصير هو سيد الطبيعة، لكن الانطولوجيا التاريخية تفضح صفاقة الطرح الأنثروبولوجي القائم على مرتكزات ألهنة الإنسان، كونها تحطّم وتفكّك المنظورات الكليانية، كي تدلّ على محدودية الحضور الذاتي وأحقية التمايز الفردي.

ويقرر المؤلف أن العقل الغربي يواجه ارتهاناته وإحالاته المتكررة، بشكل متعاقب، إزاء الخارج، بسبب ادعائه امتلاك لحظة الصدق، في حين أن موقفاً نقدياً قد تبلور ابتداء من «نيتشه»، يقرر عدم كفاية العقل على استيعاب جميع متغيرات الحياة، الأمر الذي يجعله متناهياً في مداركه وصنائعه. ويعتبر أن سلطة العقل لا تحدّ إلا إذا ضمنته صياغات إيديولوجية، مع أن هناك شكوكا عديدة في نموذجية القول العقلاني. وعلى المستوى النظري يعتبر «فوكو» استمراراً للنقد النيتشوي حين يعلن عن امتلاء اللوغوس الغربي.

ويظهر ذلك أكثر في هيمنة لامعقوليته تجاه اللامعقول أو المختلف، الأمر الذي يشي بالاندثار الحتمي للميتافيزيقا الغربية المتعالية، التي تدعم تصورات المركزة والشمول والاختراق والامتلاء العقلي، والتي استبعدت الإشكال الكينوني للذات من ساحة الفكر الفلسفي، واكتفت بإعلاء شعارات الأنثروبولوجيا، في حين أن يورغن هابرماز، التواق إلى استعادة فكر الأنوار الفرنسية، يعتبر إمكانية الحداثة ما زالت واردة فلسفياً، ولعل أهم ما تولد عن اشتغال هابرماز بقضية الحداثة أطروحته القائلة إن مشروع الحداثة الذي رسمت معالمه مع عصر الأنوار، لم يكتمل بعد، خاصة إثر الهجمات التي تعرض لها هذا المشروع من قبل «نيتشه»، ومن طرف ما يسميه هابرماز فلاسفة ما بعد الحداثة.

الكتاب: المدخل الفلسفي للحداثة تحليلية نظام تمظهر العقل الغربي

تأليف: ابن داود عبد النور

الناشر: الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم بيروت 2009

الصفحات: 480 صفحة

القطع: الكبير

عمر كوش