نستطيع أن نشاهد بيروت بصور أبيض وأسود في كتاب «بيروت والسلطان» لمعديه سوسن أغا قصاب وخالد تدمري كما كانت في هذا العصر، وذلك من خلال صور نادرة تكشف لنا رونق هذه المدينة. وكان نصيب بيروت النصيب الأوفر من صور «المجموعة اللبنانية» بحيث خصت بـ 170 صورة، كانت بمثابة مرجع توثيقي للتطور العمراني الذي شهدته المدينة خلال العهد الحميدي.

فيما تكتسب أهمية فريدة ومميزة عن مختلف الصور التي نشرت من قبل، فضلاً عن البطاقات البريدية القديمة، نظراً لكونها أولاً من محفوظات السلطان الخاصة، وثانياً من أعمال مصورين محترفين ذوي شهرة واسعة، سواء في أوروبا أو في السلطنة العثمانية نفسها، والذين كان من بعضهم من التابعية العثمانية العاملين في المؤسسات العسكرية. فالمعروف أن بيروت تعرضت لسلسة من التغيرات الجذرية، طالت بنية المدينة بشكل عام، بسبب سياسة السلطان عبد الحميد الثاني الهادفة إلى تنظيم الدولة وعصرنتها عبر ضخ رؤوس الأموال والمشروعات الضخمة، فتم مد سكة حديد بين بيروت ودمشق وتطوير مرفأ بيروت وهو شريان اقتصادي حيوي لبلاد الشام آنذاك، انعكس تحسن الوضع الاقتصادي تحسنا في الأوضاع الاجتماعية والثقافية التي كانت وراء التغيير في التركيبة الاجتماعية لبيروت، وذلك بظهور طبقة غنية، أقامت في أحياء جديدة، وأدت إلى توسع المدينة وامتدادها.

إن تقييما عاما للإنجازات التي حصلت في بيروت في عهد السلطان عبد الحميد ينظر إليه من خلال ارتفاع أبنية الدوائر الرسمية، كنتيجة لانتقال الأعمال الإدارية من أيدي العسكريين إلى أيدي البيروقراطيين، الذين كانوا يرتبطون ارتباطا وثيقا بالبيروقراطية المركزية، وقد خطوا بتقديم الدعم المادي والمعنوي، خلال منح الرتب والأوسمة والدرجات الشرفية لهم.

إضافة إلى ذلك أقيمت المؤسسات الصحية- التي حلت مكان دور الشفاء- كالمستشفى الحميدي والمستشفى العسكري، كجزء من التنظيم الصحي ذي النفع العام، الذي تدخلت فيه حكومة عبد الحميد الثاني، والتي اهتمت أيضاً بالمحافظة على دائرة الحجر الصحي وترميمها، أملاً في استمرار أداء مهامها.

وشهدت بيروت أيضاً إقامة محطات القطار والميناء والمستودعات والفنادق والبريد.. لمواكبة التطور بما يتناسب مع استخدام السفن البخارية والقطار في عمليات النقل والمواصلات، وبذلك استعيض عن الخانات والنزل. وكذلك ارتفعت المعالم التذكارية المتمثلة ببرج الساعة والسبيل الحميدي، ولا يخفي ما لهذين المعلمين من فوائد سياحية وخدماتية لكافة السكان والوافدين إلى المدينة ؟

ونشير إلى ان هذين المعلمين قد أقيما بمناسبات خاصة تتعلق بالسلطان كعيد مولده أو ذكرى جلوسه على العرش- وقد شكلت هذه المؤسسات والدوائر المقامة في بيروت مركزا لجذب الناس إلى السكن في الأماكن القريبة منه.

أما على الصعيدين العلمي والثقافي، فقد ازداد انتشار المؤسسات التعليمية الرسمية في أنحاء المدينة على كافة المستويات: الابتدائية والرشدية (تدخل نطاق التعليم المتوسطي) والإعدادية (المدارس المتوسطة) والسلطانية ذات التعليم العالي. وكانت هذه المدارس المهنية (مكتب الصنائع الحميدي) التي عنيت بتخريج الفنيين والتقنيين المؤهلين.

وعملت هذه المؤسسات التعليمية على منافسة النشاط الثقافي الغربي ومؤسساته العاملة في المدينة. فشدد السلطان عبد الحميد الثاني على تعميق وترسيخ مبدأ «العثمنة» في نفوس الطلاب، كذلك على التمسك بالثقافة والفكر العثمانيين، مما يضمن ولائهم، وبالتالي ينسجم مع سياسته العامة.

وقد أوكل إلى نظارة المعارف العمومية مهمة إقامة المدارس ووضع خطط وبرامج التعليم، والعمل على نشر اللغة التركية( العثمانية)، في حين اقتصرت صلاحيتها على الرقابة فقط على مناهج المؤسسات الأجنبية من خلال «هيئة التفتيش والمعاينة».

وفي عهد عبد الحميد الثاني جرت متابعة العمل في العقود التي كانت قائمة لمد قنوات مياه الشفة وري البساتين، والعناية بنظافتها، طبقا لمعايير ومقاييس جديدة متفق عليها. كذلك تمت في عهده إنارة المدينة بالغاز المستخرج من الفحم الحجري.

دخلت بيروت مرحلة تحديث البنية التحتية في مجال المواصلات، تنشيطا لحركة المرور ودفع عجلة التجارة وتماشياً مع روح العصر، فعمدت الحكومة إلى شق الطرق المنتظمة، التي ربطت الميناء بداخل المدينة- ويلاحظ في هذا المجال استمرار العمل الإلزامي في إنشاء الطرق، وقد جاء ذلك في اللائحة التنظيمية لمجلس المعابر 1289 هجرية / 1869م.

وأقيمت خطوط سكة الحديد لربط بيروت بمدينة دمشق ، بهدف تيسير عملية التبادل التجاري وانتقال الجنود. وقد ساعد الرأسمال الأوروبي في بناء هذه السكة. ودخل الترامواي أيضاً في خدمة النقل، وكان يمثل إحدى التقنيات الغربية التي تركت بصماتها على الحياة في المدينة.

ومهما يكن من أمر، فان السرعة في اتخاذ القرارات المتعلقة ببيروت والحرص على الاطلاع على كافة التقارير والمراسلات، دلالة واضحة على اهتمام السلطان بهذه المدينة، بخاصة وأن المراسلات المرفوعة المرفقة بدراسة موجزة عنها من قبل الصدر الأعظم تذاكر عرض كان يتم إصدار المرسوم السلطاني بصددها في مدة لا تتعدى يوما واحداً. وهكذا يتضح أن بيروت قد خاضت نضالا واسع النطاق للوصول إلى السير بركب الحضارة العالمية الحديثة المعروفة آنذاك.

الكتاب: بيروت والسلطان

تأليف: سوسن آغا وخالد عمر تدمري

الناشر: تراب لبنان بيروت 2009

الصفحات : 200صفحة

القطع: الكبير

خالد عزب