صانعو الفخار يعتبرونه أكثر من جرّة أو إبريق أو خابية أو صحن فول أو مقلاة بيض، أو حتى من معجن كشك و«دغار» دبس وجرن ملح.. بل هو شخصيّة التراب المكتوبة بلغة جديدة، وهو حوار خاصّ مع الطبيعة..
ولذلك فإن صانعي الفخار عندما يفرطون في حبّهم للطين يمدونه بالأشكال المبتكرة ويبثّونه حياة مزركشة.. فتتحول العلاقة بين الصانع وبين الأواني الفخّارية كعلاقة السمكة بالماء، وبينه وبين الدولاب «المجنون» حوار لا ينتهي.اللبناني فوزي الفاخوري هو واحد من هؤلاء «الصنايعية» القلائل الذين يقفون على عتبة الانقراض ورث مهنته عن الأجداد، تماماً كما ورث اسم عائلته.. وفي الأسماء تكمن الحكاية..في «حي الفخّار» في بلدته الجبلية بيت شباب وتحديداً في «البردوشة» (المكان المتواضع المخصّص لصنع الفخار)، حيث يجبل الطين ويعجنه ويحرقه ويصنّعه آنيات، يعني «ما في شي.. كلّو فخّار بفخّار»، كان اللقاء مع الفاخوري الذي استقبل «مسارات» بابتسامة أغرقت تفاصيل وجهه وانفرجت معها تجاعيد سنوات عمره التي قاربت السبعين..
وبتكرار ال«أهلاً وسهلاً»، وفق الطريقة اللبنانيّة. هناك، وسط المكان الذي يضجّ بالتفاصيل الجامعة بين البساطة والعراقة في آن واحد، وب«عجقة» أكثر من 20 هرّة اتخذت «البردوشة» مأوى لها..
قوارير مزخرفة بألوان قوس قزح وأخرى ازدانت بلون الطين الأحمر وثالثة تغيّر لونها بما يشبه أشعة الشمس الساطعة.. وإلى اليسار قليلاً، احتلّت الجرار والأواني المنزليّة مكانها على الرفوف بانتظار «همّة» عشّاق التراث.. راديو وتلفاز أكل عليهما الدهر وشرب، وصورة للفاخوري من أيام عزّ الشباب تتوسّط «عدّة» الشغل وملامحها العتيقة.. وتبدأ الحكاية..
أصبحت في خبر كان
منذ أن كان الفاخوري في السابعة من عمره، كان الطين لعبته المفضّلة، فكانت بداية حكاية عشقه لمهنة صناعة الفخّار، والتي هي بالنسبة إليه مجهولة التاريخ، ف«هي صناعة قديمة قِدَم تاريخ بلدته اللبنانية الوادعة على وادي نهر الصليب، بحسب شهادة كبار المسنّين..
وربما، قد تعود إلى آلاف السنين، أو حتى إلى بداية التكوين».. وجلّ ما يعلمه هو أنها «أطعمت» أجيالاً طوال عقود خلت، وأنه ورثها «أباً عن جدّ»، مبرهناً عن ذلك بإبراز وثيقتين مرسلتين إلى جدّه، تعودان إلى عامي 1930 و1934، تتضمّنان ذكراً ل«طلبيّات» من الخوابي الفخّارية.
وبكثير من الحسرة الممزوجة بالألم، يستذكر الفاخوري أن بلدته بيت شباب كانت تضمّ 40 فرناً لصناعة الفخّار، حيث «كانت تشوى الأواني الفخّارية بالمئات، لكثرة الطلبيّات.. وكان كل فرن أو «عاكوشة» كما يقال باللبناني يقوم بأربع أو بخمس حرقات خلال فصل الصيف، إذ كان يتّسع ل500 «حُقّ» (كل «حُقّة» عبارة عن جرّة صغيرة ومنشلين وأربعة أباريق)..
أما اليوم، ف«لم يتبقّ سوى فرني، لأن باقي الأفران سكّرت»، غامزاً من قناة تحوّل الخوابي من أدوات لتوضيب المونة (زيت، زيتون، دبس،..) إلى أدوات للزينة، ما ترك تأثيره السلبي على البيع، و«كلّو الحقّ عالعولمة».
... وقصّة عشق لا تنتهي
في المكان، تلمس الارتباط الروحي بين فوزي وفاخورته التي يداعبها بيديه وكأنها معشوقته التي عايشت معه بريق ووهج الشباب عبر عقود من الزمن، حيث ذكريات الأجداد وإبداع الأصالة.. يتربّع أمام آلته البدائية لإنجاز صناعة الأواني والقطع الفخّارية، ويبدأ الشرح، بدءاً من تحضير التراب خلال فصل الشتاء، وتحديداً «الدلغان» الأبيض الذي تتميّز به أرض بيت شباب، إذ «يوضع، بداية، في حفرة عمقها بضعة أمتار، ويخلط ويصوّل بالماء حتى يذوب.
وتنقّى منه الشوائب.. بعد ذلك، يترك كي يجفّ جيداً، حتى أواخر شهر فبراير، ووصولاً إلى الطريقة التي اعتاد اتّباعها في صنع الفخّار: «في البداية، أقطّع كومة الطين المضروب، أي العجينة، إلى قطع عموديّة الشكل، قطرها 7 سم وطولها 20 سم، ثم أتناول من هذا العمود قطعة حسب نوع الإناء الذي أرغب في صناعته.
والذي أتحكّم في سعته حسب حركة أصابعي التي يجب أن تبقى على صلة متواصلة مع تفكيري، كي يبقى التكوير للطين مناسباً»، وذلك ب«مساندة ماكينتي البدائيّة، في صناعة الأواني الصغيرة، والتي أديرها بأرجلي بواسطة دولاب كبير مربوط ب«آكس» عمودي يحمل في الأعلى دولاباً خشبيّاً أصغر حجماً توضع عليه العجينة المراد تصنيعها».
ضربة معلّم ابن معلّم
لحظات، وترتسم على وجه الفاخوري ابتسامة زهو مرفقة بكثير من الاعتزاز لكونه حافظ على التراث القديم لبلدته.. يأخذ نفساً طويلاً، قبل أن يتطرّق إلى بعض أسرار مهنته، بدءاً من كون الفخار الجيّد «يصنع على الأيدي بواسطة «المخباط والكفّة»، وهو عبارة عن عصا طويلة وسميكة، ومروراً بدور الدولاب الذي يستخدم في صناعة الأواني الصغيرة الأحجام.
ووصولاً إلى الخابية التي تحتلّ المرتبة الأولى بين «أخواتها»، فمن يصنعها يكون «معلّماً ابن معلّم»، لأنها تتطلّب اتقاناً في تنفيذها وفق مراحل متتابعة: «تتمّ صناعة قاعدتها أولاً، ثم الدائرة التي تعلوها، فالوسط قبل البدء بصناعة رأسها.. وفي المرحلة الأخيرة، تضاف إليها الآذان الأربع.
... والسرّ في الإضافات
حول الأشكال والألوان التي تزيّن قطع الفخّار المتناثرة في المكان، ينفي فوزي الفاخوري اعتماده على الأصباغ الصناعية، كي يبقى استخدام الأواني «آمناً»، موضحاً أن سرّ الألوان الطبيعية يكمن في بعض الإضافات على عجينة الفخّار، ف«إذا أردت الأبيض، أضيف القليل من الملح.. أما الأحمر، فهو اللون الطبيعي للطين..
ويبقى الأسود الذي يمكن الحصول عليه بإغلاق فوهة فرن الفخّار، فيسدّ المسامات ويكسب القطعة اللون الأسود».. أما معرفة جودة الآنية قبل شرائها، فلها عنده تفسير واحد لا يقبل الجدل: «يجب أن يقرع المرء عليها.. فإذا رنّ صوتها كالجرس، فمعنى هذا أنها جيدة الصنع لا تقبل التردّد في اقتنائها».
الحسرة هي الباقية
ومع النصيحة التي يوجّهها كل زائر حي صانعي الفخار في بلد بيت شباب وبالمجان، يختم فوزي كلامه بالمفاخرة الممزوجة ببعض الأسى لكونه الفاخوري الأوحد في بلدته، ولو أن مهنته «ما بتطّعمي خبز» كما قالها باللبناني، مكملا كلامه بحسرة «التعب هدّني..
وما بقى من العمر أكتر من اللي مضى»، وبالتنبيه إلى أن مهنته تقف على عتبة الانقراض، في بلدته على الأقلّ، حيث لا وريث سيكمل مشواره، لأنه لم يرزق إلا بثلاث بنات، لهنّ اهتمامات مغايرة لاهتماماته..
كلمة يا ريت
أن رسالة فوزي الفاخوري هو إصراره على إيصالها إلى كثر يفتقد زياراتهم ل«بردوشته»، عبر قلائل قلّة ما زال يعنيهم الأمر مستعينا بأغنية عبد الوهاب الشهيرة مع تصرف بكلامها باللهجة اللبنانية: «يا عمي.. كلمة يا ريت، عمرا ما عملِت خابية..»!
وفاء عواد