«الذكريات تجعلنا نشعر بالدفء في داخلنا، وفي الوقت نفسه تمزقنا إلى أشلاء»، قول للروائي الياباني هاروكي موراكامي، كاتب القصة القصيرة والمترجم الذي يثير زوبعة من الجدالات النقدية مع صدور كل رواية له سواء في اليابان أو خارجها، ويعتبر من أهم كتاب ما بعد الحداثة وأكثر الكتاب اليابانيين المعاصرين شعبية في العالم الغربي. ويتميز بأسلوبه الفني الذي يجمع بين أقصى الخيال والواقعية.
ولد موراكامي في 12 يناير عام 1949 في كيوتو وعاش في كنف عائلة تهتم بالأدب. وتجلى منذ طفولته تأثره بثقافة الغرب، فهو عاشق لموسيقى الجاز وامتلك ناديا خاصا بتلك الموسيقى من عام 1974 وحتى 1981. أما على صعيد الأدب فقد قرأ لكبار الكتاب الأميركيين مثل كيرت فونيغوت وريتشارد بروتيغان. وقد درس المسرح في طوكيو وتخرج عام 1965.
بدأ بالكتابة عام 1970، واستوحى موضوع روايته الأولى (استمع إلى الريح تغني) التي نشرها عام 1979 من خلال حضوره لمباراة بيسبول. وقد فازت روايته تلك بجائزة غونزو للكتاب الجدد. كما حازت روايته الثانية «بينبول» التي نشرها عام 1980 على جائزة دار نشر كودانشا، واتبعها بروايته «مطاردة خاروف وحشي» عام 1982.
وصلت شهرته إلى أوجها في اليابان مع نشره لروايته «الغابة النرويجية» عام 1987، والتي اقتبس عنوانها من اسم أغنية لفرقة البيتلز، ونهج فيها أسلوبا واقعيا غير مباشر. بيع من تلك الرواية التي تحكي قصة حب تدور أحداثها عام 1960 ما يزيد على أربعة ملايين نسخة.
غادر موراكامي اليابان عام 1986 وقام بجولة في أوروبا ثم استقر في الولايات المتحدة.
وعمل بالتدريس في جامعة برنستون وغيرها وخلال تلك الفترة كتب كل من «جنوب الحدود» و«غرب الشمس» و«حكاية الطائر اللعبة». وخلال كتابته لروايته «حكاية الطائر اللعبة» شهدت اليابان زلزال كوبي وحادثة الهجوم بالغاز في أحد الأنفاق، مما دفعه إلى العودة ومتابعة ما جرى. وأصدر على أثرها أول كتاب له في الأدب الواقعي وهو بعنوان «تحت الأرض» وكتاب مجموعة القصص القصيرة «بعد الزلزال» التي جمعها من مقابلات مع ضحايا هجوم الغاز. وذكر مؤخرا أنه تناول في روايته «أي كيو 84» التي صدرت أخيراً موضوع العنف والإرهاب.
كلعبة الشطرنج ينتقل موراكامي في روايته «كافكا على الشاطئ» التي نشرت عام 2002، بين قصتين الأولى عن الفتى كافكا الهارب من بيته ويتم السرد فيها بصيغة الحاضر، وناكاتا الرجل المسن محدود الذكاء القادر على التحاور مع القطط والسرد فيها بصيغة الماضي.
وكبندول الساعة ينتقل ما بين ماضي الحياة أواخر الحرب العالمية الثانية وتداخل قدر الشخصيات بصورة خفية كفتح سيدة لبوابة عالم آخر بعد تجربة حب قاسية، وتأرجح الشخصيات بين ظلمات العالم الخارجي والعالم الداخلي. ولا تلتقي الشخصيتان الرئيسيتان إلا في الجزء الأخير من الرواية بصورة غير جازمة وإن تقاطعت في عدة محاور.
يحكي موراكامي في روايته عن عوالم تلك الشخصيات وغيرها والتحولات التي تمر بها، والصراعات التي تدفعها إلى تغييب جزء من كينونتها ليظهر في ظلمات خفية حتى على الشخصية نفسها. فكافكا يغيب عن الواقع بين الحين والآخر ولا يذكر ما فعله، ولا يعرف القارئ أيضاً أن كانت نتائج الأحداث من صنعه شخصيا أم لا.
ويتجلى ذلك من خلال الحوار بين كافكا وكراو، وكراو ما هو إلا صوت في رأسه يحدثه من الظلمات حيث العنف والدم ويؤكد له أنه ما إن تمر العاصفة التي يختلقها حتى تغيب تماما عن ذاكرته.
تبدأ أحداث الرواية بهرب كافكا في الخامسة عشر من عمره من والده النحات الشهير، السادي الذي كان يقتل القطط بوحشية. يستقر كافكا في إحدى البلدات النائية وهناك يتعرف على السيدة ساكي التي تدير مكتبة عامة، وأوشيما الفتى الذي يعرف كل شيء ويقرأ كل ما في المكتبة وما بين الواقع والخيال تأخذ ساكي إما دور والدته التي هجرته حينما كان في الرابعة من عمره أو دور الحبيبة العاشقة ذات الستة عشر ربيعا.
أما قصة ناكاتا فبعيدة بالكامل، فقد تعرض في طفولته إلى حادثة غريبة بعد الحرب العالمية الثانية إذ دخل في مع طلبة صفه في غيبوبة حينما كانوا في جولة في الغابة، وبينما استعاد الجميع وعيهم بعد مضي ساعات، بقي ناكاتا في غيبوبته لعدة أسابيع.
وحينما استعاد وعيه كان قد فقد الذاكرة وذكاءه والقدرة على الكتابة والقراءة، وإن حظي بقدرة التخاطب مع القطط، التي أصبحت مهنته التي يعتاش منها، عبر إعادة القطط التائهة إلى أصحابها. يصل ناكاتا في بحثه عن إحدى القطط الضالة إلى والد كافكا الذي كان ضخما ذا هيئة وحشية، ولا يتردد في قتله لدى معرفته بتعذيبه للقطط.
حينما يسمع كافكا بمقتل والده، يغادر البلدة إلى إحدى أصغر جزر اليابان النائية لتفادي أية ضغوط ورغبة في بداية جديدة، وكذلك الأمر مع ناكاتا الذي يهرب إلى الجزيرة ذاتها بعد ارتكاب جريمته. وهناك يسعى كل منهما لبناء صداقات، وتأتي النهاية المفتوحة من خلال بدء عالم أو حياة جديدة دون أن يعرف القارئ إن كان كافكا وناكاتا شخصا واحداً أم لا.
الكتاب: كافكا على الشاطئ
تأليف: هاروكي موراكامي
الناشر: دار هارفيل للنشر بريطانيا 2005
الصفحات: 448 صفحة
رشا المالح