بكثير من المرارة يتذكر المرء رحيل محمود درويش التراجيدي في التاسع من أغسطس 2008، فهو لم يكن في عنفوان عطائه الشعري فحسب، بل كان في قمة اندفاعه للحياة، ولكأن الموت لم يكن يوما من مفردات الكون.

ماذا حدث خلال عام من رحيل محمود درويش ؟

أقيمت مهرجانات على طول الساحة الشعرية العربية حمل معظمها إهداءات إلى محمود درويش، وطبع شعراء دواوين اُفتتحت بقصائد لدرويش، وأُنشئت مواقع على الانترنيت عن محمود درويش، ولم توفر مواقع الدردشة جهداً في الاحتفاء بالشاعر الراحل، كما لم يوفره غيرهم (و هم قلة) من شتائمهم (وطبعاً لديهم أسباب غير وطنية).

لكن هل كان كافياً كل هذا النشاط المعنوي تكريماً للشاعر، أم يحتاج الموضوع إلى تحرك مادي ملموس كإطلاق اسمه على مدرسة أو على شارع و ربما حديقة أو قاعة أو ساحة كما فعلت بلدية باريس التي قررت إطلاق اسم محمود درويش على إحدى ساحاتها العامة تكريما وتقديراً للشاعر الذي عاش فترة من الزمن في أنشط عواصم العالم ثقافياً.

ثم طبعت «دار رياض الريس للنشر» ديوان محمود درويش «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» وهو أخر كتاب أنجزه الشاعر قبل رحلته العلاجية إلى أميركا، ولم يكن الكتاب منتهياً، فقد كان يأمل العودة إليه لينقحه ويدفعه إلى دار النشر وهكذا امتد موته التراجيدي إلى كتابه أيضاً فقد تحلق حول الكتاب (المخطوطة) مجموعة من أصدقائه الذين ساهموا في نشر كتاب تشوبه أخطاء لم يكن ممكناً أن تقع لو قللوا من جرعة السرية التي ضربت حول المخطوطة وخاصة للناشر الذي سلموه نسخة غير أصلية !

ولتكتمل صورة التراجيديا الدرويشية فقد تحول قبر الشاعر في رام الله إلى مزبلة حيث ذبلت المزروعات التي غرست حول الضريح، وحملت الريح ما حملت إليه من أكياس نايلون و أوراق وقصاصات وأوساخ وفضلات، ناهيك عن الإهمال العام للمكان الذي يفترض أن يتحول إلى مزار ثقافي وسياحي يستحق التبجيل و الاحترام.

عام على رحيل محمود درويش مرت خلاله مياه كثيرة تحت الجسر تعكس حالة علاقتنا بالثقافة والمبدعين، ترى لو كان محمود درويش شاعراً فرنسياً مثلاً.. أجزم أن بيته سيصبح متحفا وكتبه تعيد وزارة الثقافة طباعتها ورفاته إلى البانثيون حيث يرقد العظماء

نعم إنه يستحق ذلك، لكنه ليس فرنسياً!

hussain@albayan.ae