في عام 1927، كتب اندريه بروتون، الرمز الأكبر للحركة السريالية الفرنسية، روايته الشهيرة «نادجا». وقد قدّمها في ثلاثة أجزاء، تحدّث في الأول منها عن نفسه، وفي الثاني عن اللقاء مع «نادجا»، وكان اللقاء بها مقدمة لحب كبير لامرأة يشكل محور الجزء الثالث.
لا شك أن رواية «نادجا» احتوت جوهر فلسفة السورياليين التي كان بروتون نفسه قد أرسى أسسها عندما نشر في عام 1924 «البيان السريالي» الأول الذي اقترح فيه «تغيير العالم». وكانت «نادجا» التي التقى فيها بأحد شوارع باريس، دعاها إلى المقهى. وتبادلا الحديث، واعترفت له أنها اختارت اسم «نادجا»، لأنه يعني بداية «الأمل» باللغة الروسية، لغتها الأصلية، ولم يُفصح بروتون أبدا عن اسمها الحقيقي.فمن هي «نادجا»؟ البحث عن هويتها شغل العديد من أهل الأدب، ومنذ فترة ليست بعيدة كتب «ايفون لومين» عملا تحت عنوان: «إذا تركتني، سوف أرحل». وكتبت «جاكلين دومرنيكس» عملا آخر تحت عنوان: «الأكثر سوءا، هو الثلج». وهذا عمل جديد للروائية الهولندية «هستير الباك» تحت عنوان: «ليونا، بطلة السوريالية».
إن هستر الباك ترسم ل«ليونا» شخصية استثنائية، وتصفها أنها كانت على وعي كامل بذلك. هكذا قالت ذات يوم لأندريه بروتون بعد تعارفهما بفترة قصيرة: «سوف تكتب ذات يوم عملا خالدا عني، إنني أؤكد لك ذلك».
بكل الأحوال كتب عنها «بروتون» بالفعل ولكن تحت تقاطيع «نادجا» التي أصبحت أحد أشهر «الشخوص الروائية» في القرن العشرين كله. لقد غدت وكأنها شخصية حقيقية من لحم ودم، مثل «سكارليت اوهارا» في «ذهب مع الريح» لمرغريت ميتشل.
وتعود المؤلفة بقارئها إلى بعد ظهر يوم 26 أكتوبر من عام 1926. كان اندريه بروتون يتجول آنذاك في شوارع باريس ليس بعيدا عن كنيسة «نوتردام دولوريت» والتقى عندها بفتاة شابة تبدو غريبة الأطوال. ولم يفترق بعد ذلك لمدة عشرة أيام كاملة. كانت هي التي تروي وتتحدث عن كل شيء بينما كان هو يكتفي بالإصغاء إليها. لقد كان يرى فيها «روحا هائمة»، كما تقول المؤلفة التي تؤكّد أن اندريه بروتون كان يقوم بتدوين ما ترويه حول الحياة والحب والموت والإنسان ومعنى الوجود.
إن ما توصلت إليه هستر الباك عبر التحقيق الطويل والدقيق الذي قامت فيه هو أن «ناجدا» موجودة في الحقيقة والواقع، وهذا ما تدعمه بعدد من الوثائق التي تقدم في الكتاب صورا عنها، وكذلك من الصور التي تظهر إحداها على غلاف الكتاب الأول، وأيضا من تقارير الأطباء النفسيين التي تثبت أن «ليوناـ نادجا» قد أمضت فترة من الوقت في أحد المصحات النفسية، بل وأنها كانت قد دخلته بعد القطيعة مع بروتون الذي لم يحاول أبدا أن يراها من جديد «لم يكن يعود بحاجة إليها».
ويعرف القارئ أن «ليونا» من مواليد مدينة «ليل» بشمال فرنسا، وأنها من مواليد شهر مايو من عام 1902. وكانت قد أنجبت وهي في السادسة عشرة من عمرها طفلة كانت هي الطفل الوحيد الذي أنجبته، ولكنها قررت بعد ولادتها أن تذهب وحدها إلى العاصمة الفرنسية باريس حيث مارست العديد من المهن الصغيرة كي تؤمّن قوت يومها، بل وأنها لم تكن بعيدة عن عالم المخدرات، وقامت أحيانا ب«بيع جسدها».
وتذكر المؤلفة العديد من الأمثلة والوقائع والأمكنة التي تقدّم البراهين على أن «نادجا» ليست سوى «ليونا ديلكورت» مثل حدائق «التوليري» وذلك الفندق الصغير في ضاحية «سان جرمان» غرب باريس. وبهذا المعنى قامت المؤلفة بدور «المحقق الأدبي» الذي يقتفي آثار «موضوع اهتمامه». ولكنها لا تتردد في أن تجعل من «بطلتها» ضحية الرجل الذي أحبته ودفعها إلى «المصحّة العقلية».
الكتاب: ليونا، بطلة السريالية
تأليف: هستر الباك
الناشر: اكت سود باريس 2009
الصفحات: 314 صفحة
القطع: المتوسط
Leona, héroïne du surréalisme
Hester Albach
Actes Sud - Paris 2009
314p.