بين حدائق البندقية، وما تحتويه من تماثيل تعود لعهود قديمة تقام فعاليات بينالي البندقية في دورته الثالثة والخمسين تحت عنوان «صناعة العوالم» لكن هذه العوالم بعيدة كل البعد عن ما تركه التاريخ لهذه المدينة من فن، فالفن الذي عرض في أروقة الأجنحة يجسد الرؤية الحديثة، وما تمثله من تجارب ما بعد الحداثة، من مفاهمية وفيديو آرت، والعديد من التجارب البصرية التي تتناسب مع عصر سريع، متقلب في الكثير من الأحيان، إذ لا يمكن أن نرى الآن فنانا يرسم لوحة لمدة سنة أو أشهر كما كان يحدث في العصور التي ازدهر فيها الفن في إيطاليا، بل خرج الفنانون عن فكرة اللوحة من الأساس وكان هذا واضحا في كل الأجنحة التي شملها البينالي الذي يعتبر واحدا من أهم المؤسسات الثقافية في العالم، إذ يقوم بالترويج للتوجهات الفنية الجديدة، بالإضافة إلى تنظيم الفعاليات الدولية في مجال الفنون المعاصرة.

وكان البينالي خلال دوراته الأولى يركز على فنون الديكور، غير أن عالميته أخذت تتوسع خلال العقود الأولى من القرن العشرين. ومنذ عام 1907، شرعت دول عدة في المشاركة بأجنحة خاصة مع اختيار أهم الفنانين المعاصرين لعرض أعمالهم.

يقع البينالي في مقر مقسم إلى شقين: الأول المقر الرسمي، وتبلغ مساحته 50 ألف كيلو متر مربع، ويقع في منتزه يسمى جيارديني ويضم 30 جناحا دائما، وصالة عرض ضخمة تضم معرضا لعرض الأعمال حسب محاور محددة، وهو يحظى برعاية مدير البينالي، وتم تعيين دانييل بيرنباون السويدي الجنسية مديرا لدورة بينالي هذا العام، ويعد دانييل أصغر المدراء سنا في مجال الفنون البصرية للبينالي منذ انطلاقته في العام 1895، والثاني تم استحداثه ومخصص لأجنحة البينالي في منطقة الأرسينال وتبلغ مساحته 38 ألف كيلو متر مربع، وتتميز هذه الدورة بإقامة جسر جديد يربط بين الجزء الأبعد من الأرسينال والبينالي.

وبالموازاة مع هذه الأجنحة الوطنية، يتم تنظيم برنامج رسمي يشرف عليه مدير البينالي يسمح بمشاركة عدد كبير من الفنانين غير الحاضرين في الأجنحة الدائمة. ويتم اقتراح هذه الفعاليات المصاحبة من قبل المؤسسات والهيئات الدولية والمعارض، حيث تقام المعارض في كامل أنحاء مدينة فينيسيا لتتجاوز فضاء ومساحة كل من الجيارديني والأرسنال وتمثل مدينة فينيسيا ذاتها.

ويمكن للمتجول في البندقية أن يرى بعض الأعمال الفنية مثل القارب الذي تم تغطيته بالقماش يتجول به صاحبه في البحر، وأشخاص يغطون أجسادهم ورؤوسهم بأقمشة وغيرها، تنتج أجواء أحتفالية تجذب الزوار إلى جانب الإعلانات التي تروج لكل جناح على حدة وقد وزعت في الباصات البحرية وفي القوارب وفي العديد من المحال التجارية.

من بين الإعلانات التي وزعت في أنحاء البندقية يمكن مشاهدة إعلان مشاركة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث التي شاركت للمرة الأولى في هذا المعرض واختير للإعلان اللونان الأبيض والأسود، وهما اللونان المعتمدان لتنفيذ ديكور ركيزة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث للفنون البصرية في منطقة الأرسنال.

والتي تشرف عليه المؤرخة الدكتورة كاثرين ديفيد، شارك مجموعة من الفنانين الإماراتيين والمقيمين في المعرض الذي وزع على مساحة طابقين، وضم ثلاثة أقسام، عرض في الأول مجموعة من الصور الوثائقية والحديثة لإمارتي أبوظبي ودبي قديما ومراحل تطورهما السريع بالصور المتحركة، أو الصور الفوتوغرافية، إضافة إلى صور أخرى للوحات إعلانية، عرضت في مدخل الجناح، لتعكس عبر مساحتها الكبيرة التطور الذي شهدته أبوظبي، وضم الثاني عددا من العروض البصرية، من خلال فيلم فيديو لمقابلة مع الدكتور المهندس عبد الرحمن مخلوف، الذي عمل مدير عام بلدية أبوظبي حتى العام 1976.

إلى جانب العرض البصري للدكتور مخلوف شارك عدد من الفنانين الإماراتيين أعمالهم برؤية غير تقليدية مثل حسن شريف، محمد كاظم، عبد الله السعدي، وابتسام عبد العزيز، ومن الفنانين المقيمين الفنان الهندي كيوان مهتا، والفرنسي فيليب شانسيل، والسعودي سامي التركي، وأحمد مطار آل زياد عسيري.

وركز الفنان محمد كاظم على التجربة البصرية والتقط مجموعة من الصور الفوتوغرافية الخاصة به والتي تبينه في مواضع مختلفة لها علاقة بالبحر، واليابسة، في إمارة دبي، وبجانب أعمال كاظم غرفة صممت خصيصا لأعمال الفنان حسن شريف أطلق عليها سوبر ماركت وعرض فيها خامات طبيعية متنوعة مثل المعدن، والحبال والبلاستيك وغيرها، وهو استمرار لتجربته التي تعكس رؤيته الفلسفية في هذا المجال، ويعد شريف من أول الفنانين الإماراتيين المشتغلين بهذا الأسلوب.

وقدم الفنان عبد الله السعدي لوحة بعرض كبير يصل إلى أمتار، رسم فيها «اسكتشات» لمشاهد طبيعية مستخدما فيها الخطوط السوداء فقط، وهو ما يدل كما قال أنه خرج بالفعل من قريته التي تعتبر واحدة من إحدى القرى المحيطة بخورفكان، لكن هذا القرية لم تخرج من قلبه أبدا.

ليس أنا بل أنت

في بادرة منفصلة أنشأت دولة الإمارات جناحا رسميا، بإشراف وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وبرعاية مؤسسة الإمارات وهيئة دبي للثقافة والفنون، تحت عنوان «ليس أنا بل أنت» أشرفت عليه الدكتورة لميس حمدان، وهي تعكس واقع العرض والتوثيق الفني في البلاد. وشارك في المعرض لميا قرقاش التي قدمت مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تجسد فيه فكرة العائلة من خلال عدد من الأسرة الملتقطة في غرف من الفنادق، وبحسب حجم السرير تعبر عن الأب والأم والأطفال وغير ذلك من أشياء، كما عرض في الجناح مجسما عن المشاريع الثقافية التي تتبناها الدولة في هذا الوقت وهي المتاحف التي تقام في جزيرة السعديات، مثل متحف اللوفر ومتحف الشيخ زايد.

في الجناح الروسي قدم الفنانون العديد من الأفكار الغريبة مثل المجسم الذي وضع في داخله تمثال ينعكس خياله على الجدار، ويتغير لونه بتغير لون السائل الذي يسير ببطء عبر انحناءات المجسم، وفي عرض بصري احتل مساحة جدار كاملة وضع الفنان صورا لوجوه بشرية توحي وكأنها في مظاهرة، أو بإيحاءات أخرى يشارك المتلقي بتفسيرها بينما، صنع فنان آخر من الأقمشة مجسما عملاقا يوحي كعادة المجسمات الحديثة بأفكار ربما لا يقصدها الفنان، وعددا كبيرا من الكريستالات المشكلة بطريقة تجعل انعكاس الضوء يأتي من كل مكان.

وفي الجناح الألماني تم عرض مجسم واحد هو عبارة عن تشكيل من الخشب يقطع الجناح بالنصف مشكل بطريقة تشبه المكتبة، مع الحفاظ على لون الخشب الأصلي مما يجعله أكثر التصاقا بالطبيعة.

والطبيعة حضرت في أماكن أخرى مثل جناح الفنانة كاترين جيرلينك، التي عرضت فيه مجموعة كبيرة من الصور النباتات تبدو نادرة في الكثير من الأحيان، وجاورتها نباتات حقيقية مجففة لذات النبات التي التقطت صورها، ووضعت بعض الخرائط لتدل عن وجودها، في مناطق مختلفة من العالم.

وفي جناح فنزويلا عرضت بعض أعمال الفنان دانييل ميديينا وهي عبارة عن صور مقصوصة وملصوقة على خلفيات بيضاء، وإلى جانبها عرضت أعمال من خامات مختلفة مثل الخشب. أو لوحات استخدم في تنفيذها الألوان المائية وهي تمثل بمجملها الكرة الأرضية، وأفكار غريبة مثل الطائرة التي تطير ولكن ركابها يلحقونها على غيمة، وغيرها من أفكار لا يمكن أن نشهدها حولنا لكن من الممكن أن نتخيلها، فالخيال لا يمكنه أن يقف عند حدود.

وتوسط الجناح الكوري عمل تم تشكيله من مجموعة من الأخشاب الرقيقة والملونة، واعتمد الجناح الكندي على العروض البصرية المكرسة لهموم عادية ومتباينة كالحريق، والمحاولات المضنية لإطفائه، ومرة أخرى مشاجرة بين شخصين تتحول إلى مشاجرة جماعية بين فريقين، وما إلى ذلك من أفكار تبدو موحية.

وفي جناح التشيك وضعت مجموعة من النباتات المختلفة الأشكال، حتى أن المتجول يشعر وكأنه في أروقة حديقة. واعتمد الجناح الاسترالي على تقديم العديد من العروض البصرية، وخصص ركن آخر لعرض الأدوات المستخدمة في تنفيذ الأعمال الفنية.

هذا بالنسبة لبعض الأجنحة التي تأخذ مكانها من زمن بعيد في منتزه الجيارديني، الذي توسطه مقر للبينالي عرضت فيه العديد من المشاركات الفردية لفنانين من مختلف أنحاء العالم، مثل الفنان الأرجنتيني توماس ساراسنو الذي وضع في قاعة كبيرة مجموعة من الأسلاك السوداء التي اتخذت في المحصلة شكل عناكب عملاقة تغزل شبكتها، ويظهر التباين واضحا وكبيرا بينها فهناك عنكبوت كبير جدا نسج الكثير من خيوطه، وهناك عنكبوت ما زال يطلق الخيوط الأولى من شبكته، وهناك عناكب أخرى تتحد مع بعضها، وللمتجول في أجنحة البينالي مطلق الحرية في التفكير للوصول إلى الإيحاء الذي يريده الفنان، فكما يقول النقاد عادة يشكل المتلقي جزءا من العمل الفني لأنه قد يفسر العمل بطريقة لا يقصدها الفنان.

وقدم الفنان كيلي ووكر أعمالا على مساحات متفاوتة بين الكبير والصغير باللونين الأبيض والأسود فقط وما يظهر بينهما من قطع وتباين حاد وقدمها بأسلوب رقعة الشطرنج، وكأن الحياة لعبة مستمرة تشبه لعبة الشطرنج، وكأنها أبيض وأسود، وكأنها ألف شيء لا يمكن حصره لكن يمكن الإيحاء به، كما في كل الأعمال التي وضعت بين أروقة البينالي، مما يجعل الحديث عن العمل الفني الحديث أكبر بكثير من متعته البصرية كما كان يحدث في الأعمال الكلاسيكية.

نماذج متناسقة

افتتح الشيخ سلطان بن طحنون رئيس هيئة أبوظبي للثقافة والتراث الجناح الرسمي لدولة الإمارات، وركيزة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث للفنون البصرية، ضم جناح هيئة أبوظبي للثقافة والتراث مجموعة متناسقة من الصور الثابتة، أو المتحركة، ونماذج معمارية وأعمالاً فنية تطرح تصورا عن المنطقة، وذلك عبر مجموعة من الصور الحديثة أو الأرشيفية.