ها هي الذكرى الأولى لرحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش تأتي على استحياء متهادية على إيقاع جسد فلسطيني متهالك يرزح تحت ضربات المحنة ذاتها أو مجموعة المحن، التي أغمض ابن البروة البار عينيه على مشهد تداعياتها وارتداداتها المتتالية وبالا على سكان هذه المنطقة من العالم، مشهد ربما تخللته صرخة أحمد العربي مناديا الحصار أن إئتي فجسده هو الأسوار فلم لا يأتي الحصار، نعم اتفقنا، لكن هل تبادر في ذهن ذلك الفتى المولود في الخندق أن يطول ذلك الحصار ويشتد عوده طيلة كل هذه العقود من الزمن أمام اتساع كل هذا المدى المفتوح للأعداء والنسيان.

قبل أن تسألنا يا محمود عما حل بما أفنيت عمرا من أجله، سنقول لك، أولا، أن أنظر إلى خدودنا المتورمة احمرارا وعارا حتى تأتيك الإجابة على متن غير متن الكلمات الذي أجدت امتطاء صهوته، الفهم هنا يأتي دوما من نظرة أولى مشفوعة بالغموض إلى إشعار آخر قد ينبئنا، ذات يوم، بعدد المرات التي يتعين على الثورة أن تسافرها وبمدى إمكانية إزالة البندقية التي تحول بينك وبين ريتا، ألا زلت تذكر ريتا يا محمود، ألا تزال على عهدها بك، قد يبدو لك سؤال بلا معنى، لكننا مضطرون لطرحه حتى يتسنى لنا استعادة قدرتنا على اقتراف عشق أرض ألفته أنت في ومضة قصيدة.لقد طال الحصار يا صديقي وتطاولت الأسئلة وتشعبت حنينا لإجابات شبه مستحيلة باتت عصية على أذهان أرهقتها مرارة التكرار مسجلة حالة اشتياق استثنائية لقواف كنت تنظمها كانتظام الأنفاس في صدر احتضن قلبك الكبير المشبع أوجاعا تلونت بألوان عينيك وهما تتفتحان على استلاب وطن.

فانفلت الضمير الجمعي من عقال ذهنك وراح يبحث عن وسيلة منبر فكانت قصيدة أردت حصارا، يقولون يا محمود ايهما اسبق على الآخر في مسيرة شاعر بقامتك المتعاظمة حتى بعد رحيلك، القصيدة أم الوطن، القافية أم المعنى، الكلمة أم المدلول؟وهنا تنبلج حالة واسعة من الجدل، حالة تأخذنا إليك لنسألك: هل اعتذرت يا محمود، يوما، عما فعلت؟هل أنت نادم، كما يحب البعض أن يظن، على قصائد حقولك الأولى وعلى سنابل سيقانها لا تزال تتمايل رشيقة جذابة أمام المبصرين أجمعين.وهل ترى أي تعارض بين وطن سكنه الأنين من جهة، وإنسانية الأوطان عمادها ومكونها الأول من الجهة المقابلة؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، وهي كذلك على ما أظن، علام الاعتذار إذا، وما هي مسوغات الحديث عن عملية فصل قيسرية بين الوطني والإنساني، هل يمكن للفرد أن يكون إنسانا أو إنسانياً من دون فرديته أو فرادته أو هويته الفردية؟

وهل يمكن للإنسانية أن تكون من دون أفراد؟ ولماذا يطلب إلينا الخروج من جلدتنا في زمن ينادي فيه الآخر بالاعتراف بأضيق تعبير عن كيانه وعن هويته، تعبير لا يجد أصداؤه إلا في أسفار بالية متهالكة أكل عليها الدهر وشرب منذ آلاف السنين؟ ثم ما ذا عن أسفارنا؟ وماذا لو ظلت المعتقدات الدينية تحكم بني البشر وتحدد طبيعة العلاقات فيما بينهم؟ ولماذا يحق للبعض ما لا يحق للآخرين؟ لماذا تعتبر وطنيتنا رذيلة، بينما يسمى تعصبهم الديني والقومي فضيلة؟

ثمة اعتقاد سائد في أوساط المثقفين الفلسطينيين والعرب يفيد بأن محمود درويش يشكل ظاهرة أدبية فذة لا يرقى إليها الرصد أو النقد أو التحليل النقدي، لا بل ان البعض يضعه في مصاف المقدسات غير القابلة للمس، بيد ان الواقع والمنطق يشيان بغير ذلك، فعلى الرغم مما نكنه لهذا الشاعر الكبير من حب وتقدير لا حدود لهما وعلى الرغم من ان قصائده تمكنت من اختراق الوطني والقومي وبلغت العالمية بملامستها هموم الإنسانية جمعاء.

فضلا عن أن محمود كان يتنفس الشعر قبل أن ينظمه وقبل أن يحوله إلى كلمات مكتوبة في مشهد شعري متقن وأخاذ عز نظيره في التاريخ الإنساني برمته، إلا أن كل ذلك لا يلغي، بأي حال من الأحوال، أن من قال إن «نيرون مات ولم تمت روما، بعينيها تقاتل وسنبلة قمح تجف ستملأ الوادي سنابل» هو ابن قضية وطنية بامتياز وأن كل المراحل الفكرية التي مر بها لم تأت في سياق تطور طبيعي مرتبط بقضية سياسية كبرى لم يشهد لها التاريخ مثيل فحسب، بل ولدت من كونه إنسانا مفكرا يؤثر ويتأثر بالحياة وبالظروف المحيطة به أيضا، لقد عاش درويش تجربة سياسية حقيقية انغمس صاحبها بهموم الوطن والإنسان من أذنيه حتى أخمص قدميه، وهذا أمر لا شك فيه وليس فيه أي غمز من قامة محمود الفكرية أو الشعرية.

ويمكن تناول الجانب السياسي في مسيرة درويش أو حياته السياسية بشقين اثنين أو تحت عنوانين عريضين رئيسيين، الأول يمكن أن نطلق عليه (الشعر السياسي) والثاني (الرجل السياسي)، وفي كلتا الحالتين يسجل لدرويش براعته في الدنو من هذا الميدان المليء بالألغام بالنسبة لشاعر بدت آفاق تجربته الإبداعية، منذ بداياته الأولى، مفتوحة على العالمية.

فيما يتعلق بالشق الأول، ظل درويش لصيقا بمفردات الوطن والمقاومة واللجوء والشتات والمنافي البعيدة منها والقريبة، مفردات حالت دون تحول الوطن إلى حقيبة ولم تجعل من الشاعر مسافرا، فلقد ظل مغروسا في التفاصيل الدقيقة للأرض ومنغمسا في واقع قضيته السياسي منذ تفتحت بواكير وعيه الأولى على هدير مجنزرات الاحتلال.

وهي تجوب أزقة المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية حتى اللحظة الأخيرة من حياته حين أغمضت عيناه اغماضتهما الأخيرة في بلاد قصية، لم يقع في غواية الشقراوات الباريسيات ولا حانات شارع الحمراء في بيروت ولا ليالي القاهرة الدافئة، ظلت رائحة قهوة الأم عابقة في ركن الذكريات الخالدة وطعم خبزها لم يفارق خيالات طفل كبر قبل أوانه أمام مشهد خسارة كبرى بحجم خسارة وطن.

إن ارتقاء شعر درويش صعودا على مستوى المفردة والمعنى وحرفة القوافي جاء ليخدم قضية سكنت وجدان الشاعر كليا، من أحمد العربي إلى لماذا تركت الحصان وحيدا مرورا بمديح الظل العالي وغيرها من القصائد التي لم ينظمها من باب الترف الفكري أو لعبة الألفاظ التي أجادها، بل يمكن القول إن كل كلمة وكل حرف، كل نقطة وفاصلة احتوتها تلك الأبيات إنما جاءت في سياق توظيف رفيع المستوى لحرفة الشعر وجمالياتها في خدمة هدف سياسي أو أهداف سياسية - فكرية في إطار مسيرة يمكن أن يرصد فيها العديد من التحولات التي انطلقت من الهم الوطني إلى آفاق إنسانية شمولية في محاولة يرى البعض أنها كانت تسير باتجاه الانعتاق من قيود القصائد الأولى.

أما الشق الثاني المتعلق بمحمود السياسي أو المحطات السياسية التي مر بها وربما، إن صح التعبير، المهام التي قام بها في إطار العملية النضالية التي يتصدى لها الشعب الفلسطيني منذ أن اغتصبت العصابات الصهيونية أرضه وأبعدت جزءا كبيرا من أبنائه عنها، فيمكن القول إن محمود أدرك، منذ البداية، الحاجة القصوى لتوفير الأداة السياسية المناسبة القادرة على تغيير ذلك الواقع الوطني، فكانت الخطوة الأولى في الانضمام إلى صفوف اليسار عن طريق انخراطه في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي( راكاح)، الذي كان يضم يهودا وعربا.

وذلك في منتصف ستينيات القرن الماضي عندما لمع نجم درويش شاعرا شابا بين مجموعة من الشعراء والكتاب الذين عملوا تحت مظلة ذلك الحزب ثنائي القومية، فراح يكتب في صحيفته «الاتحاد» وفي الملحق الأدبي «الجديد» إلى جانب كتاب آخرين مثل إميل حبيبي وتوفيق زياد وصليبا خميس وإميل توما وسميح القاسم وسالم جبران وغيرهم، خطوة فرضتها اعتبارات العزلة التامة التي فرضتها الدولة العبرية على من تبقى من الفلسطينيين داخل ما يسمى «الخط الأخضر»، لكن بعد خروجه من الدولة العبرية إلى موسكو.

ومن ثم إلى القاهرة فبيروت فتونس سرعان ما انخرط في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى الرغم من انه لم يكن ينتمي إلى أي حزب أو حركة سياسية، أصبح درويش عضوا في اللجنة التنفيذية للمنظمة عام 1988. لكنه استقال في 1993 احتجاجا على اتفاق أوسلو معتبرا انه «ليس عادلا لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته».

إن اشتغال درويش بالسياسة وطغيان الطابع السياسي على شعره كان مسألة منطقية ولدت ولادة طبيعية في سياق حالة صراع وجودي عنيفة أفضت إلى حالة حصار تمكن الشاعر الكبير من اختراقها بالكلمة، لكنه تمكن كذلك وإلى حد كبير من المحافظة على استقلاليته وسط تلاطم التيارات الفكرية والسياسية في الساحتين الفلسطينية والعربية، مع أن ذلك لم يبعده عن محاولات اتهام البعض له بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك.

إذا أخذنا نموذجين مما قاله درويش في مرحلتين من حياته متباعدتين زمنيا وجغرافيا، نجد أن الوطن يرقى إلى مكانة الهاجس دوما، ففي حوار أجرته مجلة «الطريق» اللبنانية معه عام 1969، يقول: «إن الطفولة لم تكن تعني مرحلة من مراحل حياتي، إنما كانت وطني، وفي وطن الطفولة كنت أشعر بالمراحل: الحرمان، الخوف، طرح الأسئلة، العزلة، التأمل، ثم الغضب على شيئين:على الواقع الجديد وعلى الذين احتلوا طفولتي، وطني وقادوني إلى هذا الواقع»، بينما يقول في مقابلة أجرتها معه صحيفة «هآرتس» عام 2007: «إني أؤمن بقوة الشعر ولا أملك أية أدوات أخرى لإيجاد معنى لحياتي أو لحياة شعبي، فقد بنيت بالكلمات وطنا لشعبي ولنفسي».

باسل أبو حمدة