«التفرد.. الجمال.. الخصوصية»، كلمات قد نتشدق بها كثيراً، ولكن هنا يختلف معناها تماماً.. هنا في الصين، عندما تحكي إحدى الأساطير الصينية القديمة حكاية أحد الحكماء الصينيين عندما كان لا يغادر النبع الصافي وتحت ظلال شجرة عملاقة كانت حياته محصورة فيما بينها، وكان لا يدعو إلا بتلك الكلمات عميقة المعنى، وهي «التفرد.. والجمال.. والخصوصية»..
وكأنها جميعها مفتاح السر الذي يفتح حكايات صينية، معها يتسع الخيال، وإليها ينجذب العالم لشعب برهن بحق على أن التفرد منهج له، والجمال شعار لكل أعماله.. والخصوصية سر الأسرار. وبالفعل، تحققت هذه المفردات في كل جزء وكل بلد ومقاطعة من مقاطعات الصين التي يبلغ عدد سكانها حالياً ربع سكان العالم..والكلمات الثلاث هنا، تعكس جدارية طبيعية لم تتحقق بعد في أي مكان من العالم..إنها الصين المختلفة التي أبهرت العالم في الآونة الأخيرة.. الاختلاف هنا هو لغة متحدية في جمال الطبيعة.ففي مقاطعة «سيشوان» التي اشتهرت بالعديد من المحميات الطبيعية التي تسكنها حيوانات الباندا ذات القناع الأسود وأعواد البامبو «الخيزران» تجد طريقاً من يدها إلى فمها دائماً وأنواع الغزلان والأرانب الجبلية وغيرها الكثير تكون منظومة لمحميات رائعة..
اليوم سيشوان تغازل العالم بواحدة من أجمل وأندر جدارية طبيعية، ففي هذه المنطقة الجبلية تفجر بين ليلة وضحاها منذ أكثر من ثلاث سنوات بحيرات متعددة انحدرت بقوة الاندفاع لتأخذ في طريقها إلى الأسفل العروق الفيروزية التي كانت تتخلل صخور هذه الجبال الخاصة جداً في طبيعة تكوينها، فما كان إلا تكوين بحيرات فيروزية بكل تدرجات اللون الفيروزي الذي يخطف بريقه الأبصار عندما تتسلط عليه أشعة الشمس بعد ان تستقر وسط السماء، وفي المغيب يختلط اللون المرجاني للغروب بلون الفيروز وانحدار المياه.. فيكون كل الإعجاز في الجمال والتفرد والخصوصية في المكانشجيرات بلون المرجان تحرس حواف البحيرات، فتدخل في حوار جميل مع «فيروز البحيرات وشطأنها».طرقات ضيقة بين اليابسة وبحيرات الفيروز، عن طريقها تطأ أقدام السياح في سيارات أو حافلات تنظمها أكبر شركات السياحة الصينية، طريق جوي يشق عباب السحاب البلورية التي تحرس البحيرات الفيروزية ـ هو معبر جوي ـ لطائرات خاصة بأثرياء العالم.
جاءوا من البعيد لاكتشاف المزيد والمزيد عن الصين التي تطل بكل جديد ومبهر على العالم كل يوم، وفي مدة زمنية لا تتجاوز الأربعين دقيقة من مقاطعة «جانج دو» الصينية يهبط السواح الأثرياء بطائراتهم في مدرج ممهد تم انشاؤه على مسافات لا تزيد نصف ساعة بالمراكب التقليدية التي تشق الماء الفيروزي إلى جدارية لم يزد عمرها عن ثلاث سنوات.
ولم يخل المكان الفيروزي الذي تحفه جبال عملاقة منها تفجرت البحيرات ـ لم نجل ـ من التحدي البشري، فللرياضيين من السياح حضور قوي ومسابقات تنظمها بلادهم من جميع أنحاء العالم، لتسلق الجبال وسط هطول المياه الجارفة لعروق الفيروز، وغالباً بل دائما يكون للطبيعة الغلبة، ففي مشهد كوميدي يتناسى الهزيمة البشرية، يقع هؤلاء المتحدثون للطبيعة الصينية في أحضان البحيرات وسط شجيرات بلون المرجاني، فيضج المكان بالهتاف والضحكات العالية.
مسابقات الزوارق الصينية التقليدية تشق طريقها للبحيرات في نزهة وسط تدرجات لون الفيروز وهتاف الحضور ومفردات السياحة دائماً يكون لها الحضور القوي في مثل هذه الأماكن فائقة الندرة في جمال بكر، خرج لتوه للعالم..
فكان الذهول والحضور والدهشة والاستمتاع وذكريات تحكي في طريق العودة، وغيرها يختزن في اللاشعور ليخرج في بؤرة التفكير في مراحل متقدمة من العمر في خصخصة الذكريات..من هذه المفردات السياحية، مقاهٍ على الطراز الصيني القديم يقدم فيها أشهر الأكلات الصينية التقليدية والحديثة والشاي الصيني يملأ المكان بعبق لا يقاوم، من أجمل هذه المقاهي، تلك التي تأخذ شكل جبل له باب عملاق منه يدخل زوار المكان ليعيشوا «حدوتة صينية» ذات خصوصية لا توجد في أي مكان من العالم..
وعلى امتداد طريق الحافلات التي تقل السياح، تتناثر العديد من البحيرات الصغيرة من صنع الطبيعة لها مسميات تعكس مواصفاتها بالتحديد، من أشهرها «جولدن بل ليك» أي البحيرة ذات الأجراس الذهبية وهي نوع من الزهور البرية تنبت على ضفاف البحيرات، فتنعكس على سطح مياهها.. مكونة جمالاً يخطف الأبصار والعقول، أمامه لا يسع الإنسان سوى التسبيح بقدرة الخالق.
«بحيرة البجع»، وهي عبارة عن بحيرة متوسطة الاتساع تمتلئ عند الشروق والغروب بطيور البجع التي يصنعها خبراء الأزياء دائماً كأنها «إمرأة رائعة الجمال والأناقة» ربما لتكوينها الرشيق وجمالها، «باندا ليك»، أي بحيرة الباندا، وكان يتجمع على جوانبها حيوان الباندا لوجود أعواد الخيزران التي يتغذى عليها والتي تنبت بطريقة طبيعية على حواف البحيرة، ولكن يبدو أن حيوان الباندا لم يعد يتواصل مع ازدحام المكان.
وقامت السلطات السياحية بنقل أعداده الكبيرة إلى حديقة حيوان بكين، موفرة له الأجواء الطبيعية التي يصعب انفصاله عنها..ومن جماليات الإعجاز التي لا يعرف سرها سوى الله سبحانه وتعالى، ان بحيرات الفيروز هذه لا تتجمد شتاءً مثل بقية المسطحات المائية على امتداد الصين، وتظل انحدارات المياه من الجبال المحيطة بالبحيرات تنحدر في شدة واندفاع بفعل رياح الشتاء التي تدخل معها في حوار الأقوياء تنجرف معه المزيد من عروق الفيروز، فيزداد كثافة اللون شتاء في البحيرات الفيروزية، وكأن حفنة هائلة من لون أوقعها فنان منهمك بالرسم.. أوقعها خطأ في البحيرات، وأخذ يضحك ويتأمل في آن واحد.. من فرط الذهول الذي تسببه الصدمة للمكان بسبب الجماليات الطبيعية النادرة..
العديد من الفنانين الصينيين وآخرين قادمين من كل صوب يتأملون المكان، ولكن يظل قرار رسم مؤجلاً بداخلهم، والتفسير الوحيد لذلك هو شعورهم بأن المكان أعظم وأكثر إعجازاً من نقله في لوحة.وتطلق السلطات السياحية في مقاطعة «سيشوان» الصينية اسم «الكنز الفيروزي القومي» على البحيرات فيزيدها تفرداً وخصوصية..
وهي بحق كنز طبيعي حباه الله سبحانه وتعالى بكل إعجاز الخلق في الجمال.. فأصبح قصة صينية تفجرت وسط قمم الجبال لتكوين بحيرات الفيروز الغامضة..وعندما تتكثف الألوان المتدرجة للفيروز في فصل الشتاء تملأ المكان بعبق رائع صعب أن يوصف فهو متفرد في رائحته التي تداعب أنوف الحاضرين إلى المكان.
وعينات المياه الفيروزية التي خضعت للبحث في سرية تامة في المختبرات الصينية، أوضحت ان للفيروز رائحة جميلة إذا ما اتحد وتكثف داخل المياه، وهنا تفجرت فكرة صناعية جديدة وهي نقع حبات الفيروز الطبيعية في ماء طبيعي لمدة عام قبل صياغتها وطرحها بالأسواق الصينية المحلية والعالمية حتى تنجذب إليها نساء العالم لاقتنائها، بالإضافة إلى التفكير القائم حالياً لاستخراج عطر من الفيروز.. ولكن هذا المشروع مازال تحت البحث والدراسة.
وللطبيعة لغة إعجاز يصعب فك رموزها لا من قريب أو بعيد، فمن ضمن الإعجاز الخلقي لهذا المكان الذي يتصف بالغموض والإبهار والجمال معاً، إن بعض من الأشجار المتواجدة عند سفوح الجبال التي بها العروق الفيروزية، تنجرف مع شلال المياه الجارف والمندفع بشدة للأسفل، فتستقر في عمق البحيرات، حولها يتركز اللون الفيروزي بكثافة.
وقد لجأت السلطات السياحية للتفكير في مشروع للغوص في هذه المناطق ولكنه مؤجل حالياً بسبب معرفة مدى تأثير المادة الفيروزية على الغواصين، وهل يمكن من ناحية أخرى ان يخف اللون الفيروزي ويبهت من كثرة زوار قاع البحيرات.ولم تكتف السلطات العلمية في الصين بجماليات البحيرات الفيروزية والتغني بها وزيارة المكان، وإنما مازالت الأبحاث جارية على قدم وساق لمعرفة عدم وجود أسماك أو طحالب في هذه البحيرات، والنتائج لم تظهر بعد، ولكن المبدئية منها أوضحت ـ دونما تأكيد ـ بأن الأسماك ومادة الفيروزية يصعب تجانسهما، ربما لأن الفيروز يسد خياشيم الأسماك، وهذه النتيجة لم تتأكد بعد..
اساطير
تروي إحدى الأساطير الهندية أن أم العريس تضع تحت قدميه قبل الزفاف ماء دافئاً من قطرات من الزعفران وحبات الفيروز فالماء الدافئ كناية عن دفء الأسرة الجديدة بالحب والمودة، أما الزعفران فهو كناية عن طيب رائحة الزوج فتقبل عليه زوجته دائماً، وحبات الفيروز كناية عن أصالة الزوج وهدوء عشرته لزوجته.
وتحكي الأساطير الهندية أيضاً بأن الفيروز هو أحد ألوان الماء والسماء، فهو لون مبارك فيه، يبارك كل من يستخدمه، ومازالت هذه الأساطير تحيا في المجتمع الهندي وتحولت إلى أعراف وعادات وتقاليد.
منى مدكور