في حياتنا حكايات تروى، وشهب تحترق، وبشر يختفون قبل أن تكتمل معرفتك بهم.. قطار سريع ومحطات، ركاب ينزلون في هذه المحطة، وقليل من يصل إلى المحطة الأخيرة، في النهاية لا أحد يبقى.والدنيا مسرح كبير كما يقول يوسف وهبي، والمسرح هو الدنيا برمتها.. في حياتي المسرحية عرفت عدداً كبيراً غادروا القطار في محطات مختلفة.
ولا غرابة في ذلك، غير أن فتى ذكياً مبدعاً، اسمه سعيد ظاعن، ظهر مثل نيزك، واختفى مثل نجمة سهيل، لا أدري لماذا كان مسرعاً في الرحيل، كما لا اعرف كيف وجدناه فجأة فوق خشبة المسرح مع فريق دبي الأهلي، منشداً في مسرحيتي التي كانت من بواكير هذا المسرح التي كان اسمها الطيور، شاهدته على خشبة المسرح ينادي منشداً..
قربوا.. قربوا..
عيون تداري عيون..
قربوا .. قربوا ..
والمستحيل لازم يكون
كان الفتى الجميل اسمه سعيد ظاعن.. صبياً موهوباً.. له حضور عجيب على الخشبة، قد لا يذكره الكثيرون.. حتى زملائه نسوه.. ربما يذكره الذين أحبوه وأعجبوا به وقدموه على خشبة المسرح، أمثال محسن محمد، عمر غباش، ناجي الحاي، جمال مطر، محمد الدوسري، رائد فريد.. لا أعتقد أن غيرهم قد يذكر هذا الفتى بعد هذه السنوات وعجلة الحياة تدور، والقطار ما زال مسرعاً، والمحطات لا تحصى، والأصدقاء الذين ابتلعتهم المحطات كثيرون (أبو نواف، عبد الله مفتاح، قاسم محمد، سلطان الشاعر، محمد الجناحي، سالم الحتاوي، يوسف خليل) ،لم يكن سعيد ظاعن طفلاً، كان في عمر الزهور، لكنه كان كبيراً في عقله، شامخاً في قامته الصغيرة، ذكياً مبدعاً هو ابن اثني عشر ربيعاً فقط، لكننا كنا نتعامل معه كما لو كان في الأربعين أو أكثر.
كانت بدايته مع مسرحيتي «الطيور» التي مثلها مسرح دبي الأهلي من البواكير الأولى لمسرح الطفل في الإمارات، ثم في الإمبراطور جونز، ورحمه، وجسر آرتا، وقبل أن يرحل بقليل شارك المسرح القومي للشباب في أغنية الأخرس عام 1988.
فجأة سمعنا برحيله، لا أحد يذكر كيف سطع نوره فوق الخشبة، ولم يبحث أحد منا لماذا انطفأ هذا النور الساطع فجأة، كعادتنا تقبلنا القدر كما هو.. وواصلنا رقصنا مع ستائر المسرح.. تماماً كما فعلنا مع كل الراحلين، وما سيفعله الآخرون بعدنا حينما سنضطر لمغادرة القطار في محطة ما، في سنة ما، في شهر ما، وفي يوم ما، في ساعة ودقيقة وثانية محدودة.
كان يغني بسعادة.. قربوا.. عيون تداري عيون.. قربوا.. المستحيل لازم يكون.. قد يكون تحقق المستحيل، إلا أننا ما زلنا نذكر ضوءك يا سعيد يا بن ظاعن.. أيها الشهاب الذي احترقت قبل أن يسطع نورك. من يذكر سعيد ظاعن فليحدث صديقه عن هذا الضوء الذي فقدناه ساعة الظلمة.