لم يكن من قبل المصادفة أن تجمع رواية «الدار» للكاتبة الأميركية مارلين روبنسون بين الحصول على جائزة أورانج البريطانية المرموقة وبين دخول القائمة القصيرة لجائزة الكتاب الوطني الأميركي، فهي تشكل في نظر الكثير من النقاد والقراء على السواء عودة متألقة عبر نثر بديع إلى الأسئلة الأكثر أهمية في حياة البشر.
ومن أبرز هذه الأسئلة سؤال واضح وصريح ومحدد، وهو: «ما الذي تعنيه العودة إلى الدار؟».بشكل أو بآخر، فإن كل شخصية في رواية «الدار» تبحث عن رد على هذا السؤال. وعلى وجه التحديد فإننا نشهد عودة جلوري بوتون، وهي في الثامنة والثلاثين من العمر، وقد عادت إلى جلعاد للقيام برعاية أبيها المحتضر.وفي الوقت نفسه، فإن أخيها الضال جاك يجد طريقه للعودة إلى الدار، وذلك على الرغم من أن عودته ليست عودة هينة ولا يسيرة، حيث إنها تعيد إلى الأذهان الفضيحة التي كانت وراء حيلة عن الدار قبل عشرين عاماً مضت.على مهل يكشف جاك وجلوري أسرار قصتهما، ويتجاذبان الحديث بالحركات بأكثر مما يتجاذبانه بالكلمات، نظرة حريصة هنا وجذب لمقعد بعيداً عن مائدة الطعام هناك، في مواجهة خلفية منزلية يتم تخيلها على نحو شديد الثراء، بحيث أن القارئ قد يستدرج إلى الاعتقاد بأن دارهما هي الدار التي يقيم فيها.
وفي غضون ذلك، فإن أبيهما، الذي يعد حبه المهتاج لولديه مقابلاً يلقى الترحيب إزاء مشاعر جلوري وجاك المتضاربة، يعيش نوعيته الخاصة من تصفية الحساب، فيما هو يتوق إلى فهم ابنه الذي تعصف به رياح المتاعب. وهناك بساطة فيما يتعلق بهذه الرواية تكذب التعقيد الذي تطل به شخصياتها، فهي مقيدة معاً بقدرة عميقة على الحب وبشعور قوي بالقدر نفسه بالاقتناع الخاص الذي يختبر قوة هذه الرابطة لكنه لا يفصمها أبداً.
والقارئ يجد نفسه أمام نوع رقيق من التوتر الذي يدفعه إلى الاعتقاد بأنه سيقاوم التعرية والفضح. وفي حقيقة الأمر فإن هذه الشخصيات يبدو أنها لا تريد شيئاً يزيد، وفق تعبير جلوري، عن أن تعامل «خداع أحداها للأخرى كما لو كان حقيقة».
وفي كل الحالات، فإن نثر مارلين روبنسون البديع والرقيق يكشف أسرار هذه العائلة برشاقة مدهشة.
وتعد «الدار» بمثابة رواية رفيقة لسابقتها «جلعاد» وليست جزءاً ثانياً لها.
والروايتان تعدان معاً تنويعاً على رمز عودة الابن الضال.
والقارئ يتوقف طويلاً عند هذا الابن الضال، جاك بوتون، وهو أحد ثمانية أبناء لريتشارد بوتون، القس المتقاعد لبلدة جلعاد في ولاية أيوا، والذي نجده في عام 1957 رجلاً محتضراً عرف الترمل طويلاً.
وجاك يعود إلى الدار بعد وقت قصير من عودة أخته، جلوري ذات الثمانية وثلاثين ربيعاً إلى الدار بوقت قصير، لرعاية أبيها المحتضر وتمريضه. ومن خلال عيني جلوري سنرى دراما جاك وهي تتجرد من الستائر التي تحجبها. ونحن نعرف أن آخر مرة رأت فيها جلوري جاك كانت وهي في عامها السادس عشر، وكان بسبيله إلى مغادرة جلعاد حاملاً على كاهله صيتاً سيئاً باعتباره لصاً ووغداً محتالاً، بعد أن جعل فتاة قاصراً حاملاً.
ووفقاً لما يرويه جاك، فقد عاش منذ ذلك الحين مشرداً، سكيرا، يتردد على السجون بانتظام، إلى أن تعرف على امرأة تدعى ديلا في سانت لويس. وعلى نحو تدريجي يعود جاك وجلوري إلى الترابط فيما هما عاكفان على رعاية أبيهما. ولكن عندما تعود رسائل جاك إلى ديلا من دون أن تفتحها، فإن جلوري تجد نفسها مضطرة للتعامل مع عودة جاك إلى السقوط في وهذه العادات القديمة السيئة والتأثير الذي يتركه ذلك على أبيهما.
وهكذا فإننا نجد أنفسنا، في نهاية المطاف، أمام نثر بديع يضفي بهاء ورشاقة فريدين على دراما قديمة، وذلك عبر تقديمها على مثل هذه الساحة المنزلية القوية.
وبقدر ما بدت رواية «جلعاد» رواية تأملية ولا تحفل بالكثير من الأحداث، فإنها الآن تبدو رواية حافلة بالحراك مقارنة برواية «الدار». وربما يتذكر قراء الرواية الأولى أن الأب إيمس قد أضفى على تأملاته المتعلقة بالحياة وبالرب هارات في شكل حكايات عنه جده الأعور الذي خاض المغامرات مع داعية إلغاء الفصل العنصري جون براون.
ومن الملاحظ أن الحراك العضوي في رواية «الدار» يتم استنفاده كله على وجه التقريب في الصفحات الأولى مع عودة جلوري، أصغر أبناء بونتون الثمانية إلى الدار.
ويلفت نظرنا أن مارلين روبنسون تكتب بضمير الغائب ولكننا نرى الأحداث التي تتكشف على امتداد الشهور التالية في عام 1950 من منظور جلوري. حيث يبتهج أبوها أشد الابتهاج لعودتها، ولا يأتي أي منهما على ذكر الخطوبة التي منيت بالفشل ولا الحياة المهنية التي تمر التخلي عنها، وهما الأمران اللذان حملاها على العودة للحياة في الدار التي شهدت طفولتها، وذلك في العام الثامن والثلاثين من عمرها.
أن الروتين الهادئ الذي يعيشانه سرعان ما تقطعه عودة ابن ضال آخر من أبناء عائلة بوتون، هو جاك الذي يعد بمثابة الخروف الأسود في هذه العائلة التي كان يمكن بدونه أن تكون عائلة سعيدة، فهو من صغار اللصوص الغارقين في الخمر والذي هرب من المدينة قبل عشرين عاماً تاركاً وراءه صديقته المراهقة وقد امتلأت أحشاها بوليدة المنتظر، الذي سيتحول إلى وليد تعذيب أبويه برفض كل عرض للمساعدة بغض النظر عن مدى تردي ظروفه الباعثة على اليأس. وهو عندما يعود في نهاية المطاف إلى الدار، شاحباً، نحيلاً، ومشقاً، فإن جلوري لا تتعرفه إلا بالكاد.
وعلى الرغم من أنها في وقت من الأوقات كانت تحبه أشد الحب، فإنه يبدو لها الآن «العب الذي يثقل على فؤاد العائلة، الغياب الذي لا يسمى، شأن البطل في حكاية مفعمة بالكآبة».
لكن أبيهما يبتهج، وقد أسعدته إمكانية أن حبه الذي لا حدود له يمكن أن يفتح قلب هذا الابن الضال. وعلى الرغم من حماس النقاد والقراء لهذه الرواية، فإن عيوبها تبدو لنا أوضح من أن تخفي حتى على النظرة العابرة، فالحبكة شديدة السكون إلى حد أن الرواية تبدو في بعض الأحيان أقرب إلى سلاسل من اللوحات منها إلى رواية بالمعنى الصحيح، والتوتر فيها مفهوم، لكنه خفي إلى حد بعيد.
الكتاب: الدار
تأليف: مارلين روبنسون
الناشر: فارار، شتراوس وجيروكس نيويورك 2009
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
Home
Marilynne Robinson
Farrar, Straus and Giroux - N.Y. 2009
336P.