حرصت مؤسسة الكتاب القومي، التي تعد من أبرز المؤسسات الثقافية الأميركية المتخصصة على إجراء هذا الحوار مع الكاتبة الأميركية مارلين روبنسون، بعد أن جمعت بين الفوز بجائزة أورانج البريطانية الشهيرة ودخولها القائمة القصيرة لجائزة الكتاب القومي الأميركية، حيث ألقت الضوء على آليات عملها الإبداعي في فن الرواية. وفيما يلي نص الحوار:

من المفترض أن نتاج مارلين روبنسون المتفرق، الذي يضم ثلاث روايات وكتابين غير روائيين في 28 عاماً، مع وجود فاصل يصل إلى 24 عاماً بين روايتها الأولى والثانية هو دلالة على الطموح، وعلى محاولتها الشاقة لسرد القصص من خلال الفكر وليس الحركة. وهي تقول إن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، وهي حين تفتح باب دارها في أيوا سيتي.

وهي بلدة جامعية وفيرة الأشجار تقوم بتدريس الكتابة الإبداعية فيها، لا تبدو من النوع العدائي أو الميال للعزلة، وهو توقع يثيره حماسها لكتب اللاهوت التي تعود إلى القرن الثامن عشر. وهي تبدو متوهجة بالحيوية وذات نظرة ثابتة تتألق في عينين تعلوان وجنتين بارزتين، تتابعان كلباً من نوع البودل يتحرك حولها دوما، وتطلق عليه اسم «أوتيس».

ولو أن رواية روبنسون الأولى «إدارة الدار»، الصادرة عام 1980، لم تتوج بمثل هذا النجاح الكبير، لما كان تحفظها أمراً ملحوظاً.. وفي ضوء ذلك فإن روايتيها اللاحقتين بدتا شديدتي الغرابة، فالرواية الأولى تدور حول الصناعة النووية البريطانية.

وقد أجرت الأبحاث الضرورية لها خلال قيامها بالتدريب لمدة عام في جامعة كنت، وأخيراً رواية ثانية بعنوان «جلعاد» تروى من وجهة نظر قس مريض في السادسة والسبعين من العمر، أخذاً في الاعتبار حياته الدنيوية والروحية. ويبدو الأب إيمي شخصية غير قابلة للتسويق، فهو شخص معذب يترك له أبناء أبرشيته أطباق السلاطة التي لا يرغب فيها على باب داره، لكن روبنسون لم تكن تتحدى أي شيء بصورة واعية في اختيارها لموضوع روايتها هذه، حسبما تقول.

وإنما كان الأمر متعلق بعدم تمتعها بالتركيز اللازم للتصرف على أي نحو يخالف ذلك، وهي تتبع إرادتها في هذا الصدد، فهي عندما تكتب تفعل ذلك على وجه السرعة، ولكن كل ما حاولت انجازه بعد رواية «إدارة الدار» بدا لها مشابها للغاية بحيث أنه لم يثر اهتمامها.

وهي تقول في هذا الصدد: ربما يبدو هذا شيئاً من الغريب أن أقول بعد تأليف رواية «الدار» ولكن كان ينبغي أن تكون لها في ذهني أصالة محورية، فأنا أعتمد على بروز صياغة، ولا يمكنني أن أنجزها، فهي ينبغي ان تأتي إلي، وليس هناك معنى لقلقي فيما يتعلق بها.

«الدار» هي قصة أهل دار الأب روبرت بوتون. والسرد يمضي بصورة متساوقة مع روايتك السابقة «جلعاد» وخطوط القصة بالنسبة للكتابين تتداخل بين الحين والآخر، متى لاحظت أن الرواية الثانية تلح على ذهنك؟

كنت أعكف على تأليف كتاب غير روائي اشتغلت عليه بالفعل طوال سنوات، وأدركت أن شخصيات «جلعاد» تشتت انتباهي بصورة ملحة، حيث بدت مصرة على أن تكون لها حياة خاصة بها.

ما هو طول الفترة التي عكفت خلالها على انجاز رواية «الدار» قبل أن تشق طريقها إلى النشر؟ وما هي طبيعة عملية الكتابة كما تمارسينها؟ وهل أعطاك الاشتغال على هذا الكتاب شعوراً مختلفاً عن كتبك الأخرى وخاصة رواية «جلعاد»؟

قمت بتأليف «الدار» في غضون عامين. وكان بعض الوقت قد انقضى منذ صدور رواية «جلعاد». وأنا لا أتابع حقاً مثل هذه الأمور بصورة جيدة. وقد انتهت كتابتها في الربيع، ونشرت في الخريف التالي، ما لم تخني الذاكرة، وأنا أكتب عندما يكون هناك شيء ما في ذهني، وأنا أعرف أن ذلك لا يستحق أن يحمل اسم «عملية الكتابة». وكل كتاب يعطي إحساساً مختلفاً لأنه يتضمن انغماساً في شخصيات وظروف مختلفة.

تدور أحداث كل من روايتي «جلعاد» و«الدار» في أيوا، التي عشت فيها سنوات عدة. كيف يؤدي المشهد أو المكان وظيفته في الكتابة عندك؟

إنني أحب أن أضفى معنى على الطريقة التي يمكن لمشهد طبيعي أن يبرز بها في مدارك الشخصيات التي تعيش فيها وفي تحديد هذه الشخصيات لنفسها.

ما هو الجانب الذي كان أكثر صعوبة في تأليفك للرواية؟

ليست لدي شكاوى حقيقية. وقد أدهشني الحوار بكامله، وعدا ذلك لم تكن هناك إلا مقاومة المفاهيم لشق طريقها إلى رحاب الكلمات وهو أمر يمكن توقعه دوماً.

هناك عنصر تشابه مثير للاهتمام في كل الروايات التي شقت طريقها إلى القائمة القصيرة لجائزة الكتاب القومي وهو تركيز جميع الروايات على الماضي. فما الذي يجتذب القراء والكتاب بشدة على هذا النحو فيما يتعلق بالماضي؟

عندما يتطلع المرء بناظريه إلى الوراء، فإن من الممكن أن يصور أحكاماً على ما حدث بالفعل. ففي أي زمن حاضر هناك ضجيج التشويش وإساءة التفسير والإلحاح الخاص. ونحن تباع لنا بصورة حرفية أفكار عن الحياة التي نعيشها وما ينبغي أن نخشاه، وما يتعين أن نتطلع إليه. وبالطبع فإن جانباً كبيراً من هذا يلح علينا باعتباره ذاكرة تاريخية.. ولكن هناك نتائج وتبعات ينبغي أن نزنها مقابل ما يفترض أنه الميل الطبيعي للأشياء. والتاريخ هو مجمل ما نعرفه عمن نكون، وهو أمر له أهميته على الدوام.

بالنسبة لبعض الكتاب، فإن المحرك الذي يدفع عالمهم الروائي قدما هو الشخصية، وبالنسبة لآخرين فإن المحرك هو اللغة، وبالنسبة لفريق ثالث فإن المحرك يمكن أن يسمى «الموضوع» بأوسع المعاني. إلى أي فريق من هذه الفرق الثلاثة من المؤلفين تنتمين؟

أود القول أن الصيغة هي أمر محوري بالنسبة لي، فهي تتضمن الشخصية واللغة والموضوع أيضاً، حيث إن الناس يحاولون على الدوام تفسير حياتهم سواء بشكل واع أو غير واع.

من هو القارئ المثالي بالنسبة لك؟

كل من يعنيه كتاب من كتبي.

ما هي الكتب التي تجدين نفسك ميالة لقراءتها؟ ومن هم الكتاب الذين تقرأين لهم؟ وهل ترين أي تأثير لهم على كتابك الحالي؟

فوكنر، ستيفنز، الكتاب الأميركيون المنتمون إلى القرن التاسع عشر، ويسرني الاعتقاد بأنهم يؤثرون فيَّ.

تنغمس الولايات المتحدة الآن في حربين، والاقتصاد يوشك على الانهيار وهناك حروب أخرى تندلع في مختلف أرجاء العالم. والبيئة تعاني على جميع الجبهات. وفي ضوء كل هذه الضغوط لماذا تعد الرواية شيئاً مهماً؟

كل ما يجعلنا نقدر الحياة البشرية والطبيعة الحية له أهميته كأنها ما كان.والرواية يمكنها انجاز ذلك، شأن أي مصدر مهم آخر متاح لنا نحن البشر في هذه المرحلة بالغة الأهمية من مسيرتنا.

ما هو طموحك بالنسبة للمرحلة المقبلة من مسيرتك أنت؟

فيما يتعلق بمسيرتي، فإنني أود أن أعود إلى منعطف جد مبكر منها، وهو يتمثل في محاولتي الأولى لقراءة رواية «موبي ديك» وكان ذلك في التاسعة من عمري. وأذكر أن الناس كانوا يسخرون مني لحملي الرواية معي طوال الوقت، ومع ذلك فقد قرأتها بمزيد من العناية والاهتمام، ثم قرأت كل الأعمال الموضوعة على رفوف المكتبة، ودرست اللغة الانجليزية في جامعة براون وأنجزت دراستي العليا في جامعة واشنطن في سياتل.

منى مدكور