تصور صبيحة عنداني في روايتها «اعترافات امرأة فاشلة» الحياة الحلبية بكل غناها، فتبدأ من الحارة الضيفة وكيف تتسع لتصبّ في حارات أخرى، حيث تلمّها أو تجمعها ساحة صغيرة، ومن عدّة ساحات صغيرة يتكون الحيّ، فالأحياء تتجمع حول القلعة التي تجلس متربعة كأم حنون ترعى أبناءها.

تعتمد الكاتبة على الوصف سواء بواسطة الصورة أم بواسطة الحالة، فهي تصف الحارة والأسواق والمدينة والريف والبيوت والمآكل والملابس، وصفاً دقيقاً وواقعياً وعندما يعجزها الوصف تبدأ بالصورة الواقعية لتصف: «وفي النافذة الصغيرة (خابية) صغيرة من الفخار، وبجانبها (طاس) من النحاس وعلى الحائط علقت المرآة الصغيرة التي اشترتها والدتي في الأمس القريب بربع ليرة سورية، يشدها خيط من القنب إلى المسمار المنتصب في الحائط كأنه بؤبؤ عين سوداء لا تمل النظر والتحديق...».

في الرواية تصوير للمدينة وللريف وللاحتلال الفرنسي، ولأيام الوحدة بين سوريا ومصر، إنّ زمان القصة يبدأ في الأربعينات وينتهي في العام 1961.

وتدهشنا الكاتبة وهي تتابع اليوميات التي تعيشها المدينة، تدهشنا بهذه اللغة الفنية المتطورة القادرة على رصد الحياة اليومية، بكل ما فيها من ألم وبؤس عاشتها هذه المرأة/الراوية، فلا شيء يقود إلى الفشل إلا وركزت عليه الكاتبة، من فقر أبويها إلى زوجها، إلى انتقالهم للريف، وعودتهم إلى المدينة، إلى حريق دكان أبيها، إلى موت ابنها، إلى إعجاب إحداهن بها ومحاولة التقرب إليها، إلى كل ما يؤدي إلى «اعترافات امرأة فاشلة».

لقد صبّت الكاتبة ما أصاب المرأة من حظّ سيئ عاشته إلى الظروف أو القدر، لكنها نسيت أو تركيبتها الثقافية لم تسمح لها بأن تخرج أنفها خارج هذه الدائرة، لتعرف ما هو السبب الحقيقي فيما آلت إليه الأمور إلى هذا الفشل. إنها حتى لم تفكّر من هو المسؤول عن مأساتها ومأساة بلد بكامله في الزمن الذي وقعت فيه الأحداث.

شخصياتها عديدة تقودها جميعاً إلى الزمن الرديء، ولا ندرك أهي واقعية من لحم ودم أم هي شخصيات من الخيال، لكن في كلا الحالتين، استطاعت أن ترسم شخصياتها وتقدّمها في قلب مفعم بالألم وقسوة الحياة.. إنها تتخذ من حلب مسرحاً لشخصياتها، فإنها تبرع في وصف الأشخاص والأماكن، فوصف المدينة غير وصف الريف، ووصف الفقر، غير وصف الغنى، ووصف الأسواق غير وصف الأشخاص: «في صدر الدار يتمدّد الرجل العجوز فوق فراشه وبيده قطعة من الكرتون يهوّي بها من كثرة الحر، وبجانبه زوجته الجديدة مع بناتها يلتقطن البق من على الفراش ويطردن البعوض من حين إلى آخر وقد خرق آذاننا بطنينه المزعج الرتيب».

غير أنّ الكاتبة لا تكتفي بذلك، إنها تحاور وتداور حتى تبني عالماً روائياً يصوّر الحياة في مدينة حلب، الحياة التي تعيشها كل أسرة معذبة بسبب فقرها، أيام الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، هذا العمل يصف ويصور النفس البشرية، وما خلقت عليه من طبيعة مريضة، وكيف انتقلت الكاتبة من تصوير الحياة العامة إلى الحياة الخاصة، وكيف أدارت بأسى وحزن مصائر شخصياتها إلى الفشل اليومي الذي يحيط بها من كل جانب.

«اعترافات امرأة فاشلة» لصبيحة عنداني، هي أولى الروايات النسائية التي تبرز وجه مدينة حلب بلا رتوش وبلا جماليات، مع العلم أنها أفضل كثيراً من الروايات التي تظهر الآن، من حيث لغتها ومن حيث الموضوع الذي تناولته.

حق الريادة

اختارت صبيحة عنداني حياة الفقر التي كانت سائدة في منتصف القرن الماضي، لتنقلها لنا صوراً مأساوية تعيش المشكلات الاجتماعية بكامل أبعادها، فالنصّ مطبوع سنة 1983، وواضح أنه مشغول قبل ذلك بكثير، ربما يعود إلى بداية السبعينات، ممّا يعطيه حقّ الريادة في كتابة الرواية النسائية الحلبية، أضف إلى ذلك رداءة الطبع وصناعة الغلاف غير الجيدة، ممّا يناسب المطابع ودور النشر في تلك الأيام.

المؤلفة في سطور

صبيحة عنداني كاتبة روائية سورية من مواليد حلب، سوريا 1939، ليس لها إلا هذا العمل «اعترافات امرأة فاشلة» وهو عمل مطبوع. ولها عمل آخر تحت عنوان «شجرة الصفصاف» ولكنه عمل مخطوط.

فيصل خرتش