بفعل أحد ما أو لعله الزمن أو ربما اللامبالاة أو اللاجدوى صارت التفاهة أسلوب عيش وطريقة حياة ونقلها بعضهم إلى الفن والأدب وامتلأت كتبنا ومحطاتنا التلفزيونية وإذاعاتنا بعباقرة يروجون لثقافة (اتصل واربح) أو ثقافة (حياتي عذاب) ومثلما تراجعت قيم الجمال الحقيقية مقابل الجمال المصنوع تراجعت في كل مناحي الحياة ثقافة الجدية والعمق والأصالة.
أحد ما يروج للسطحية وينفخ في أوصالها لتكبر حتى تملأ المكان ولا ينفك عن بهرجتها لتجذب كل من تبهره الأضواء، وكأنما السطحية بضاعة تعرض في واجهة المحال التجارية يقع عليها الكثير من الضوء وفي جو من الحماية المطلقة من الشمس والمطر والغبار، تصبح السطحية بضاعة مبهرة لماعة حالها حال بهرجة برامج التلفزيون والمجلات الكريستالية وأغنيات كأنها معلقات مطلعها «علي يا علي يا ابن عمي».
لقد كانت التفاهة والسطحية حاضرة في الأزمنة السابقة ولعبت دورها المعهود في حياة المجتمع، لكن اليوم هناك سطحية مدعومة مادياً وإعلامياً ويتم نقلها من مكان لآخر بسرعة البرق، وفي ظل ثورة المعلومات التي غيرت وجه العصر لا يمكن لفكرة أو لمعلومة جدية أو عميقة أو تافهة وسطحية ألاّ تعبر الحدود وتصل إلى أي بيت أو مكان مهما كان بعيداً أو نائياً.
في تلك الأيام كان يمكن للمجتمع أن يحمي نفسه وكانت الأسرة رغم عدد أفرادها تستطيع أن توفر عمقاً وأصالة لأبنائها، وكانت المدرسة تقدم عوناً رائعاً وكان المحيط داعماً، والأهم من كل ما تقدم كان المدرس رفيقاً للطالب وليس متعالياً أو موظفاً لديه يكتب واجبه ويحشوه بالمعلومات، وكانت في مدارسنا مكتبة ومسرح وصالة ألعاب، وفي حينا توجد حديقة، ولم يكن على سطح بيتنا سوى خزان ماء، وليس غابة من الصحون اللاقطة التي لم تترك طعاماً إلا وغرفت منه حتى زاد وزن التفاهة في عقولنا.
ترويج التفاهة سيزداد يوماً بعد يوم لأن لا أحد يقدم بديلاً عميقاً أو جدياً وبين مئات المحطات التي تتخذ من الابتسامات البلاستيكية مدخلاً للعبور إلى بيوتنا تقابلها مئات أخرى من محطات طق الحنك والرغي، من بينها جميعاً نادراً ما نقع على حديث جذاب أو برنامج ممتع يدفعنا في اليوم التالي إلى تذكره بكثير من الرضا والامتنان، لكن أين هو ذلك الحديث وتلك البرامج؟