تتألف مجموعة «نيران صديقه» للكاتب علاء الأسواني الصادرة مؤخراً عن دار الجامعة الأميركية بالقاهرة من رواية قصيرة، أو «نوفيلاً» تقع فيما يزيد على تسعين صفحة، ظلت محجوبة عن النشر عقداً من الزمان في أصلها العربي، إضافة إلى ست عشرة قصة قصيرة.
ومن المحقق أن القارئ سيتوقف طويلاً أمام الطابع الخلافي والمثير للجدل الذي تتسم به هذه الرواية القصيرة، أو القصة الطويلة الأولى في المجموعة، والتي تحمل عنوان «أوراق عصام عبدالعاطي» والتي كانت السبب وراء رفض الهيئة المصرية العامة للكتاب نشر المجموعة في طبعتها العربية في مستهل حياة الأسواني الإبداعية.تتناول «أوراق عصام عبدالعاطي» قصة شاب نال نصيباً من التعليم، يبدو لنا معجباً بالغرب، ربما إلى حد الافتتان، ولكنه يتعرض للسحق بفعل الفساد، الذي تشن عليه الرواية القصيرة هجوماً بالغ الضراوة.المدهش حقاً أن المؤلف، لدى عرضه هذا العمل على الهيئة للنشر، كما يوضح في المقدمة الضافية التي كتبها للمجموعة، قيل له أولاً إن عليه أن يكتب بخط يده ما يفيد تنصله من الآراء التي يتبناها بطل الرواية، ولما قام بذلك ـ في سخرية ضمنية من الهيئة ـ قيل له إن عليه أن يحذف الفصول الأولى من العمل، وهو ما حمله على الخروج بالمجموعة من مقر الهيئة المطل على كورنيش النيل، من دون أن يقدر له العودة إلى هذا المبنى قط.
وقد مضى بالعمل إلى دار نشر صغيرة مستقلة، حيث أصدره على نفقته في طبعة لا تتجاوز ثلاثمئة نسخة أهداها للنقاد والكتاب ولأصدقائه من المعنيين بالأدب، وقد أشاد بها الكثير من النقاد لكن الأسواني وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه، فالقارئ الذي قرأ النقد ويتحمس للعمل ويرغب في الحصول عليه لم يكن أمامه من سبيل إلى وضع يده على نسخة واحدة منه.
كما نعلم، فإنه في عام 2002 صدرت رواية «عمارة يعقوبيان» لتباع طبعتها الأولى في أربعة أسابيع ولتتوالى طبعاتها، ولتظل أفضل الروايات مبيعاً في العالم العربي على امتداد خمس سنوات، حيث بيع منها 250 ألف نسخة في منطقة العالم لا تضم طبعة أكثر كتبها نجاحاً إلا ثلاثة آلاف نسخة على أقصى تقدير.
وضاعف من نجاحها تحويلها إلى فيلم شهير ثم إلى مسلسل تلفزيوني، وترجمت إلى 27 لغة على امتداد العالم، وبيع من الطبعة البريطانية وحدها حتى الآن 75 ألف نسخة، وحققت روايته «شيكاغو» نجاحاً أكبر، الأمر الذي مهد لإطلاق مجموعة «نيران صديقه» في ترجمتها الانجليزية.
ولكن من أحبوا روايتي «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو» بقوائم ابطالهما المطلوبة وحبكتيهما اللتين ترددان أصداء أجواء المسلسلات المصرية لا يتعين عليهم توقع أنهم سيجدون بين دفتي «نيران صديقة» المزيد من هذا النسيج.
واقع الأمر أن قصص المجموعة شيء مختلف تماماً، وعلى الرغم من ذلك فإنها بدورها تحفل بمشاعر الغضب والاحباط التي جعلها الأسواني جزءاً لا يتجزأ من نسيج أعماله، حيث نلاحظ على الدوام أن شخصياته لاتنال أبدا ما تنشده.
وربما كان مصدر هذا الاختلاف بين روايات الأسواني وقصصه القصيرة هو أن هذا الكاتب العربي من مصر يشدد على أن القصص القصيرة، كما يراها، لا تعدو أن تكون لحظة استنارة، لحظة رؤية، لا أكثر، ومن ثم فإنها أقرب إلى ثمرة تفاح تسقط على رأس المؤلف، أقرب إلى فكرة ترد على خاطره وهو منهمك في حوار مع شخص آخر.
أما الرواية فهي شيء، آخر شيء في الفؤاد والذهن، كما يعبر المؤلف، وعلى الكاتب أن ينتزعها انتزاعاً.بهذا المعنى فإننا في هذه المجموعة نجد أنفسنا أمام المؤلف وهو يكشف، ببراعة واقتدار، الغرز الدقيقة من الألم التي تكفل تماسك الفرد، العائلة، الصف الدراسي أو العلاقة بين المرأة والرجل.
لكن السؤال الذي لا يمكن إلا أن يفرض نفسه على القارئ وهو ينطلق عبر صفحات هذه المجموعة هو: هل يمكن لرجل مغرق في الاغتراب عن مجتمعه إلى حد أنه ينظر إلى كل أعضاء ذلك المجتمع على أنهم ليسوا أفضل من ميكروبات تتلوى تحت الميكروسكوب أن يواصل البقاء على قيد الحياة في هذا المجتمع؟
وعلامة الاستفهام هذه ما تلبث أن تتفرع، مفسحة الطريق أمام فيض من التساؤلات التي لا تقل عنها أهمية: هل يمكن لتفسير بالغ التشدد للدين أن ينتصر على التفسير المتسامح الذي يضرب جذوره في صميم الدين ويعود إلى أصوله السمحاء؟ هل يمكن لرجل في مجتمع يخيم الفقر كسحابة مروعة على آفاقه أن ينحى عن خاطره صورة طبق فول شهي وقتاً طويلاً بما يكفي للحداد على أبيه؟
في غمار ضباب علامات الاستفهام هذه، تبرز شخصيات تستعصي حقاً على النسيان، فها هي راقصة كباريه بدأ العمر يترك بصماته عليها تمنح هبات عالم يوشك على الرحيل لابن الرجل الذي تحبه.
وها هو ذا فتى معوق يحرز انتصاراً ذاتياً من بين أنياب كارثة موضوعية. وثمة فتى بدين يقاوم السخرية من جانب رفاقه في الصف الدراسي عندما يجبر على ارتداء الملابس الرياضية بمزيج مروع من الضحك والرقص والانخراط في البكاء.
ولعله ليس من قبيل الصدفة أن يلقى الكتاب استحسانا من العديد من الصحف اللندنية البارزة فور إطلاق طبعته الانجليزية.
ها هي ذي صحيفة «تايمز» تبادر إلى التعقيب عليه بالقول: «شأن نجيب محفوظ، فإن علاء الأسواني كاتب عالمي، يحول الاهتمامات المصرية إلى اهتمامات إنسانية وتضيء بصورة جميلة عالمنا المحزن والمحير أحياناً على نحو غريب».
وعلى الرغم من أن الكثير من القراء العرب قد لا يوافقون الصحيفة اللندنية على الذهاب إلى وضع علاء الأسواني في سلة واحدة مع نجيب محفوظ، إلا أن ذلك لن يمنعهم بالتأكيد من الاتفاق مع محررة الملحق الأدبي للصحيفة اللندنية العتيدة فيما ذهبت إليه عندما قالت في مقال مطول لها: «علاء الأسواني ناقد اجتماعي بارز وشجاع».
وتظل هذه المجموعة لعلاء الأسواني عملاً جذابا وجديراً بالقراءة حقاً، لأنه يكشف جوانب إبداعية أخرى مختلفة في مؤلف ساد إجماع كاسح صفوف القراء على الإعجاب بروايتيه الشهيرتين، وتابع كثيرون مقالاته بالمزيد من الاهتمام والتقدير.
الكتاب: نيران صديقة
تأليف: علاء الأسواني
الناشر: مطبعة الجامعة الأميركية القاهرة 2009
الصفحات : 192 صفحة
القطع: المتوسط
American Universith in Cairo Press- Cairo 2009
192P.