ربما تكون السينما السورية منذ بداياتها وحتى اليوم قد احتفت كثيرا بحضور المرأة في نتاجها، إن كان بوصفها موضوعا من الموضوعات الساخنة، أو كان بوصفها شخصية سينمائية من الشخصيات الأساسية أو الثانوية وبالتالي بوصفها ممثلة، لكن المجالات الأخرى الأكثر فاعلية التي تقوم على الإنتاج والإخراج والتأليف، لم تشهد سوى العدد المحدود من التجارب النسوية، وفي فترات زمنية متباعدة.

من أصل حوالي مئة وتسعين فيلما طويلا هي حصيلة ما قدمته هذه السينما بكافة قطاعاتها المنتجة خلال ثمانين عاما، لا يمكننا أن نحصي سوى سبعة أفلام جاءت موقعة بأقلام نسائية، أغلبها برز في السنوات الأخيرة، غير أن هذه الأفلام على ضآلة كمها هي على قدر كبير من التنوع، ذلك أنها دخلت حيز الفيلم الروائي والتسجيلي والرسوم المتحركة، كما أنها قُدمت بتقنيات وأساليب متباينة، وبالتالي فهي تستحق أن تُدرس في سياقها الخاص، وليس فقط كتجارب قائمة في السياق السينمائي العام.جاءت الخطوة الأولى من جهة القطاع الخاص حين قامت الفنانتان فتنة وإغراء بتأسيس شركة إنتاج سينمائي أواسط الستينات، قدمتا من خلالها عام 1967 فيلما وحيدا هو «عاريات بلا خطيئة» قصة وحوار إغراء، سيناريو وإخراج كوستانوف، وفي أواسط الثمانينينات كررت الفنانة إغراء التجربة ذاتها بتأسيس شركتها الخاصة التي أنتجت من خلالها ثلاثة أفلام من تأليفها وإخراجها.

هي: «أسرار النساء» 1984، «امرأة لا تبيع الحب» 1985، و«بنات الكاراتيه» 1986، وصحيح أن الأفلام المذكورة تنضوي تحت هوية السينما التجارية التي تفتقر إلى مقومات الحرفية، لكنها في مقابل ذلك وبصرف النظر عن السوية الفنية تعتبر التجربة الأولى التي حققتها المرأة في السينما السورية باتجاه التأليف والإخراج والإنتاج، ومع ذلك فإن أحدا من نقاد السينما لم يتنبه لهذه الزاوية بالذات.

بعد ذلك كان على السينما السورية أن تنتظر عقدين آخرين قبل أن تطلّ واحة الراهب من قلب المؤسسة العامة للسينما عام 2002 بوصفها أول كاتبة ومخرجة أكاديمية تقتحم سينما القطاع العام مع فيلمها الروائي الطويل الأول «رؤى حالمة».

وهو فيلم يحمل تطلعات فكرية وفنية ذات خصوصية واضحة المعالم، تربط بين إشكالات الواقع الاجتماعي والأزمات السياسية العامة، دون إهمال دلالات المشهد وجمالياته، فواحة الراهب لم تدخل الفن السابع من باب الهواية والمغامرة، بل دخلته من باب المعرفة الأكاديمية، فهي تحمل شهادتي الفنون الجميلة والإخراج السينمائي، وكانت قد قدّمت فيلمين سينمائيين قصيرين: «منفى اختياري» و«جداتنا»، وهي حاليا بصدد إخراج فيلمها الطويل الثاني «حد الهاوية».

منذ ذلك التاريخ ودائرة صانعات الفيلم السوريات تتسع عاما بعد الآخر بشكل ملحوظ، وتتخذ اتجاهات مختلفة، ومن المرجّح أن دخول تقنيات الديجيتال كان إحدى العوامل المساعدة على هذه النقلة، فبعد تجربة طويلة قضتها أنطوانيت عازارية كمنتيرة متخصصة قامت في عام 2003 بكتابة وإخراج فيلمها القصير الأول «أبيض» وهو بطول ثماني دقائق ومن إنتاج المؤسسة العامة للسينما، ويدور حول موضوع الرفق بالحيوان والحفاظ على البيئة.

وقد نال الجائزة الفضية لمهرجان روتردام 2004، وفي عام 2006 قامت بانجاز فيلمها الثاني «سمعان العمودي» وأنتجته على حسابها الخاص، وهو فيلم وثائقي (30د) يصوّر بانوراما تاريخية عن سيرة سمعان العمودي والقلعة المسماة باسمه ومذهب النسّاك العموديين والمدن المنسية، حصل على جائرة أفضل فيلم في مهرجان نيويورك للأفلام المستقلة 2007، ثم أنجزت فيلمها الثالث «شاميات» لصالح احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008.

وهو يتناول بعض الزراعات السورية الشهيرة وكيفية تصنيعها محليا كإنتاج قمر الدين من المشمش، والعطر من الورد الشامي، والملاحظ أن تجربة عازارية تنحصر في إطار الموضوعات الحيادية ذات الصبغة العامة التي تقوم على معطيات الوثيقة وعلى جماليات الصورة.

أيضا في عام 2003 أسست ديانا الجيرودي بالاشتراك مع عروة النيربية شركة «برواكشن» للإنتاج الفني، ثم ما لبثت الشركة بعد عامين أن تخصّصت بإنتاج الأفلام التسجيلية فقط، وإقامة مهرجان سنوي خاص بها بعنوان «أيام سينما الواقع»، وبهذا تكون «برواكشن» هي أول جهة خاصة تحصر إنتاجها بهذه النوعية من الأفلام منذ حوالي نصف قرن.

وتكون ديانا هي ثاني منتجة في تاريخ السينما السورية، ومن خلال شركتها قدّمت عام 2005 فيلمها الأول «القارورة» ومدته 15 دقيقة، ثم أنتجت بالاشتراك (مع ميكيل أوبستروب ـ الدنمارك) فيلمها الثاني «امرأة من دمشق» عام 2007 ومدته 54 دقيقة، وترشّح مؤخرا لنيل جائزة مركز الأفلام التسجيلية المتوسطية 2009، وتتميز أفلامها بتمحورها حول قضايا المرأة وبحسها التأملي الجريء.

في عام 2005 أنتجت المؤسسة العامة للسينما بالاشتراك مع شركة تايغر أول فيلم رسوم متحركة طويل في تاريخها، وكانت المفاجأة أن هذا الفيلم قد حمل توقيع الكاتبة ديانا فارس والمخرجة رزام حجازي، وحاز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان القاهرة لسينما الأطفال، وشهادة تقديرية للمخرجة من مهرجان سيسيلي في ميامي، وتكررت هذه الشراكة الفنية في فيلم آخر بعنوان «رحلة اليمام» لم يُعرض بعد.

في عام 2006 دخلت هالة العبد الله ساحة السينما التسجيلية بوصفها كاتبة ومخرجة ومنتجة، نفّذت فيلمها الطويل الأول «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» بالاشتراك مع عمار البيك، وهو الفيلم الطويل الخامس في تاريخ السينما السورية الذي يستثمر تقنية الديجيتال، وينتمي إلى اتجاه «المخرج المنتج».

وقد حاز على جائزة اتحاد الوثائقيين الإيطاليين من مهرجان فينيسيا، وبرونزية مهرجان دبي، وذهبية مهرجان تطوان، وذهبية مهرجان روتردام للأفلام الوثائقية، ويتمحور الفيلم حول مصير بعض المثقفين اليساريين ممن تقاسموا السجون والمنافي، بلغة سينمائية تجريبية دمجت ما بين خصوصيات الفيلم التسجيلي والروائي في صيغة واحدة.

بعد عقد من الزمن تقريبا قضته الشاعرة هالا محمد في ميدان الصحافة، وبعد عدة تجارب خاضتها ضمن الفريق الفني لبعض السينمائيين السوريين، بعد ذلك أطلّت أولى أفلامها التسجيلية «قطعة الحلوى» و«رحلة إلى الذاكرة» ضمن سلسلة أفلام أدب السجون التي أنتجتها فضائية الجزيرة في عام 2006.

وجالت أفلام هالا بجرأة غير مسبوقة في ظروف المعتقل السياسي في سورية عبر ذاكرة شخصيات معروفة في الوسط الثقافي، عاشت مرارة التجربة بكل تفاصيلها القاسية، ضمن هاجس فني سعى إلى ترتيب مفردات الواقع في سياق درامي متصاعد ومتشعب الدلالات.

وفي سياق الأفلام التي أنتجتها احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008 قدّمت المخرجة السينمائية غابانيه جيجي فيلمها الروائي القصير الثاني «وأيضا الأب»، وهو فيلم تجريبي على مستويي الشكل والمضمون، كما ظهرت خمسة أفلام كرتون قصيرة لفنانات شابات خريجات كلية الفنون الجميلة، منها ما هو تجربة أولى في مسيرة مخرجته ك«نغم لوني» لبارعة الأحمد، و«حلم قصير» لريم علي ديب وثلاثية لانا بلاني «ضوء، لعبة، سباحة»، أما فيلم «رحلة فكرة» فهو الثاني لسوسن نور الله بعد «زينب» (5د 2005)، وكذلك الأمر بالنسبة لفيلم «شباب سوري» لياسمين فنري.

ويشير واقع الحال إلى أن أغلب السينمائيات السوريات اللاتي ظهرّن منذ بداية الألفية الثالثة، قد بحثّن عن هوية مميزة تخصهّن، وتكون قابلة للتطور والاغتناء مع مرور الزمن وتراكم التجربة، وأن نتاجهّن المتعدد الجهات ما بين القطاع العام والخاص والأفلام المستقلة، قد كسر طوق الذكورة الذي أحاط بالسينما السورية خلال الفترات السابقة، فهل ستتسع الدائرة المؤنثة أكثر خلال السنوات المقبلة؟

وهل ستشهد المؤسسة العامة للسينما تولي سيدة منصب إدارتها بعد مضي حوالي أربعة عقود على قيامها؟ أسئلة تظلّ أجوبتها في ذمة المستقبل، لكن الأهم من كل ذلك هو انتصار الفيلم السوري على أزماته الحالية المستعصية.

واحة الراهب

تخرّجت واحة الراهب من كلية الفنون الجميلة في دمشق، ثم درست الإخراج السينمائي في باريس، وهي من مواليد القاهرة، أصدرت كتابا بعنوان «صورة المرأة في السينما السورية»، كما أخرجت العديد من المسلسلات التلفزيونية، منها: «بيت العيلة» و«الخرزة الزرقاء»، وكتبت بعض السيناريوهات، إلى جانب تجربتها الطويلة في مجال التمثيل.

تهامة الجندي