تتمتع كتابة أحمد زرزور للطفل بخصوصية لها رؤيتها ولغتها الخاصة فقد جاءت قصائده الموجهة للأطفال شديدة الإيجاز والتكثيف ومفعمة بالخيال والحكائية ومتجاوزة للشكل العمودي التقليدي الذي اعتاده الصغار في كتبهم المدرسية، ومقتربة من قصيدة التفعيلة لتفتح أمام الصغار مساحات من التعاطي مع كافة الأشكال الشعرية الجديدة..
حول هذا الجانب في إبداع وأدب الأطفال في العالم العربي كان هذا الحوار الذي تحدث فيه أحمد زرزور لـ «مسارات» عن عالمه الإبداعي وتخصصه في الكتابة للأطفال داعيا الجهات الرسمية والأهلية إلى الاهتمام بهذا الجانب متسائلا عن مصير ميزانية الجامعة العربية المخصصة للطفل: بداية وبكل صراحة هل هناك أدب طفل عربي، وما هي ملامحه ؟دعنا نعترف أن مصطلح « أدب الطفل» هو مصطلح حديث النشأة عربيا، فلم نكن نعرف إلا ما يسمى النصوص والمحفوظات، التي كان مكانها غرف الدراسة بمراحل التعليم المختلفة، هادفة إلى التوجيه وبث الأفكار الإرشادية عن مكارم الأخلاق، ولا يمكن استثناء منظومات أحمد شوقي للأطفال من هذا السياق، فقد سادت ولا تزال مع الأسف، النظرة النفعية لما يجب أن يوجه للأطفال الذين هم تلاميذ في الرؤية المجتمعية وليسوا بشرا صغارا من حقهم الاستمتاع تماما كما يستمتع الكبار بما يكتب لهم.
لقد كانت ولا تزال غالبية الكتابات ـ في هذا السياق ـ مجرد منظومات وعظية وتلقينية لا توقظ خيال أطفالنا على عوالم الجمال والسحر والدهشة والفرح والوعي بأسرار وتفاصيل الوجود، واكتشاف ذواتهم وحثهم على التساؤل لفض مغاليق وحقائق الحياة، ولم ينشأ مصطلح أدب الطفل إلا مع نشأة تيار الحداثة الإبداعية بعامة، ذلك التيار الذي خلص الأدب من سيطرة المضمون، وهيمنة المعني اقترابا من الجمالية الإبداعية.
وبالتالي كان لزاما وبداهة ـ في آن واحد أن تمتد الحداثة إلى كافة أصعدتها الإبداعية، مع اعترافنا أن الكتابة للصغار لم تلق اهتماما كالذي لقيته كتابة الكبار، وهنا علينا أن نشيد بتجربة الشاعر السوري الكبير سليمان العيسى الذي خصص بل كرس قلمه للكتابة للصغار في أعقاب هزيمة يونيو 1967، إيمانا منه بضرورة إعادة صياغة الوجدان والعقل الطفولي العربي.
وتبعه نفر هنا ونفر هناك، لكن لا يمكننا الجزم بوجود منظومة إبداعية عربية لهذا النوع من الكتابة، رغم وجود الأطنان من الكتب في هذا المجال، ويظل الموقف مرهونا بحماس آحاد المبدعين الذين نستطيع إحصاءهم على أصابع اليدين الاثنتين، والذين يتبنون رؤية إبداعية متطورة تتسم بقدر كبير من الشخصنة والاجتهادية الذاتية، خاصة مع انعدام تيار نقدي لأدب الأطفال يبلور ويفرز ويمحص ويقترح.
على الجانب الآخر الطفل في المناطق النائية يكاد يكون محروما مما هو متاح لطفل المدينة، ومع قصور دور المدرسة.. أليس من حق هذا الطفل أن يلقى العناية والبحث عن سبل غير تقليدية لإيصال ما هو حق له في هذا المجال؟
بالطبع طفل المناطق النائية محروم من حقه في ثقافة وأدب معاصرين، إنه ضحية للنصوص المدرسية الجافة، تماما كما طفل المدينة، لكنه يعاني أكثر فليس هناك حتى الآن أدب يتبني همومه وأحلامه هو، وهي معاناة تمتد إلى كل الأطفال في كافة بقاع مصر بتنوعاتها الجغرافية والثقافية والتراثية، فليس هناك أدب لطفل الصحراء، أو طفل الساحل، أو طفل البادية، أو طفل الحارة الشعبية، بل كل الذي لدينا كتابة عمومية، لطفل عمومي، في وطن عمومي، في أمة عمومية، مما يفقد هذه الكتابة حضورها عند أطفالنا وبالتالي فنحن نحرث في البحر.
تم تأسيس فضائيات عربية متخصصة بالطفل، أغلب المواد الفيلمية فيها مدبلجة، أليست ملاحظة تستحق عناية كل المهتمين بدراما الطفل وفنون الحركة كلها؟
معظم البرامج والمسلسلات الدرامية للأطفال التي تقدمها فضائياتنا العربية هي مدبلجة كما نعرف، وهذا لا يعني غياب المبدعين العرب في هذا المجال.
وإنما هو تغييب لهم، فاللجوء للاستيراد أقل كلفة من الإنتاج المحلي، وحتى لو تم الاستعانة بهم، فإنهم يتقاضون أدنى الأجور مما لا يشجعهم على التعامل مع شركات الإنتاج الحكومية أو الخاصة، بل إن هذه الأجور تنسحب أيضاً إلى تأليف الكتب، فمبدع الأطفال هو الأقل أجرا، ولهذا دلالة مؤسفة تشير إلى غياب الرؤية الحضارية عن العقل العربي بعامة.
ما رأيك في موضوع أخلاقيات الإنترنت، خصوصا أن إحصاء تم أجراؤه في إنجلترا أفاد أن ربع الأطفال من (12 حتى 16) يشاهد تلك المواقع غير الأخلاقية ؟
لا يمكننا الوقوف على جاذبية الإنترنت لكن يمكننا استباق تأثيراته السلبية، وذلك بفتح أبواب الحوار الحر والمعرفة الكاملة وتجاوز التابو بأضلاعه الثلاثة: الدين، الجنس، السياسة، ووضع الحقائق أمام أطفالنا كاملة حتى لا يلجأ إلى مصادر أخرى تدس لهم السموم وسط الإبهار التقني.
ولا أدري متى نحجم عن التثقيف الجنسي والسياسي والديني لأطفالنا، ولا أقصد بالدين الأصول والثوابت وإنما إعادة طرح المسألة الدينية الإسلامية والمسيحية على بساط التسامح والتآخي والاعتراف والتكافؤ بل والوحدة الروحية بدلا من ترك أطفالنا فريسة لثقافة التعصب الديني.
الطفل العربي المغترب غير مطروح على الساحة الثقافية بمصر والعالم العربي، بينما إسرائيل أصدرت سلسلة «حسبما» منذ عام 1949م لتباع في مكتبات أوروبا، وبعد وفاة كاتب السلسلة، تابعت السلسلة بمسمى آخر ومؤلف آخر حتى الآن، ولكن مع ترجمة الكتب إلى لغة البلد، أي مخاطبة الطفل اليهودي والأوروبي، وطبعا بالمفاهيم الخاصة بهم! أليست تلك الملاحظة في حاجة إلى وقفة واهتمام الجميع؟
لا تختلف معاناة الطفل العربي المغترب عن زميله المغترب في الداخل، فالمشكلة في جوهرها: هل هناك إبداع متميز للطفل العربي، إبداع يعلي من خصوصيته الحضارية من جهة وينفتح على المشتركات القيمية الإنسانية من جهة أخرى في إطار من الحوار والتكافؤ، كل ما هنالك أدب عمومي لطفل عمومي في وطن عمومي كما قلت لك، بحيث لا تستطيع أن تقول هذه قصة مصرية، وهذه قصة سورية.
وأظن أن هذه هي مهمة جامعة الدول العربية من خلال ميزانيتها المخصصة لثقافة الطفل، لماذا لا تصدر مجلة عربية للطفل تخاطب الطفل «المقترب» و«المغترب» في وقت واحد، لماذا لا تصدر كتبا للأطفال العرب تؤكد خصوصيته الحضارية وتحمي من الانخلاع والذوبان في ثقافة الآخر، الأكثر تقدما وإبهارا وجاذبية ؟ أين تذهب ميزانية الطفل في جامعة الدول العربية، هل تكفي الاحتفالات والمهرجانات الرسمية؟
أليس عارا أن ينام أطفالنا على أرصفة الشوارع العربية معرضين لكافة أشكال الانتهاك والاغتيال النفسي والروحي، وهو انتهاك لا يقل بشاعة عن ترك زملائهم ينامون على ثقافة الآخرين معرضين لانتهاكات من نوع آخر، انتهاكات فكرية وأخلاقية مضادة؟
وماذا عن مجلات الأطفال ؟
مجلات الأطفال العربية لا تفعل شيئا سوى إعادة إنتاج ثقافة الآخر، والآخر هنا نوعان: الآخر القديم المهجور في أقبية الماضي السحيق تحت زعم التراث، والآخر الجديد الغربي من خلال ترجمة ثقافته على صفحات مجلاتنا دون أدنى مراجعة قيمية، هناك مجلات مخصصة بأكملها لذلك الغرض وكأنها وكيل لثقافة الآخر، وكذلك توجد الماضي، بينما لا توجد مجلات تطرح رؤية نقدية للماضي وللآخر الغربي معا.
ولا تقدم المشتركات الإنسانية وفق منظور انتقائي سليم، ولا تتعامل مع سؤال التابو، بفروعه الثلاثة كما قلنا، لتظل المجلات الراهنة تصدر بقوة الفراغ ليس إلا، وهي في جوهرها نتاج للذهنية العربية المحافظة المتوحشة السكونية الخائفة من شمس المعرفة الساطعة، إنها أحد تجليات ذهنية التحريم العربية، والأمر يتطلب ثورة حضارية تطرح كل شيء على طاولة البحث والنقد، عندئذ نمتلك مجلة أطفال حقيقية.
التراث العربي
يتطلع أحمد زرزور إلى قيام جامعة الدول العربية بتمويل إنتاج دراما عربية تقدم هويتنا وملامحنا وثراء تراثنا الشعبي ونضالات شعوبنا للأطفال، بدلا من الافتتان بمغامرات (مازنجر) و(سلاحف النينجا).. إلخ، ولدينا رموز عربية أسطورية رائعة ك: سيف بن ذي يزن، والظاهر بيبرس، وأحمد بن ماجد، وابن بطوطة، وصولا إلى عمر المختار وأسامة بن المنقذ وصلاح الدين الأيوبي.. إلخ.
محمد الحمامصي