تبدو القمة مغرية، وأي إغراء، للتفكير فيها ملياً، لكنه التفكير المفعم بالمفارقات، عندما يظهر جانب ضئيل شبحيٌّ من الحقيقة، جانب النظر إلى القمة باعتبارها قمة وكفى. ثمة التباهي في علوها وعليائها، الغموض فيما لا يُرى منها وما لا يجري التوقف عنده ثمئذ، لكأن القمة تلك وجِدت مذ كانت، معزولة عن محيطها ومقذوفة إلى الأعلى.

القمة جماع قوى تضاريسية، إذ يوجد مدى أرضي صلد لها، تكاثفه، وحدة حال جغرافية في مساحة أتيح لها النهوض والبروز في المحصّلة الفضائية: قمة عن جدارة. الطبيعة وافرة الجمال والحكمة، والقمة إحدى تجلياتها اللافتة. تكون القمة مساهمة طبيعية مركَّبة ولو أنها نطقت لسمَّت عناصر طبيعية ظاهرة وخفية لا تصدَّق بيسر!

لكن النظر إلى القمة يكون من الأسفل، ووفق تصورنا للأبعاد واعتباراتها: من الحضيض، هذه المفردة التي أسيء استعمالها لأنه استغفِل فيها جمالها الأرضي في الغور، إنه الجمال القاعي الذي منه كان توثب القمة عالياً.

نتحدث عن القمة وكأنها معلقة في الفضاء، ننغوي بها تصوراً ومقاماً، وهي تصمت عمَّا زكاها وأبقاها القمة، أي الحضيض هنا. إن فكرة الحضيض تهمُّ كل طامح إلى الحركة، إلى التنفس ملء روحه، حيث الرحابة تشير إلى الأسفل، وما بين هذا ونقيضه المفترَض طبعاً، ثمة المشاهدة الميدانية، واختلاف الرؤى، ثمة التفاوت في التقدير.

ربما الناظر من عل يعتبر القمة قاعاً والحضيض قمة، كما تقول هوية الطبيعة الكونية كوكبياً، فالتسميات من ابتداعنا وكأننا نخشى النظر ولو في المحدود أرضياً دون وضع حدود له، إطلاق اسم عليه، في مركزه ومحيطه.

القمة: صناعة النجومية المثلى، الداء المشتهى، لأن النجومية في تقديراتنا تعلونا ونحن نروم النجومية هذه، لأننا ننشد العلو، التسامي ومن ثم التعالي على ما عدانا في المجمل، كأننا نهوى مغادرة الأرضي كلياً.

وهي فكرة حسنة كتوجُّه، أما كرغبة جارفة ودون حساب فمغامرة ترفضها الطبيعة «طبيعتنا بالذات». أن نكون نجوميين بالجملة، أهل القمم، إلى أين تذهب النجوم إذاً، لا بل القمم التي تصبح دوننا، والحضيض الذي لا يعود يفكَّر فيه؟

ثمة تضييق مكشوف على الطبيعة، على أنفسنا، ونحن ندفع بها في اتجاه خطر: انحداري، أو انهياري. إن الأوصاف وقائمة الألقاب المصنَّعة في كل ما وجِد تاريخياً، في الثقافة وغيرها، أي ما صيِر قمماً، زاحمت القمم الموجودة في الطبيعة، ليختل توازن الطبيعة ذاتها، إذ إن كل مسعيً لصعود القمة، والتنافس حول ذلك إلى درجة التناحر، يجعل القمة حربة جارحة وربما مميتة، وكل استكثار من التفكير فيها، استسهال لها واستهتار بموقعها..

ثمة فرق كبير بين أن نكون قمميين، أن نهوى تسلق الصعاب في بناء إراداتنا، ونحن ننظر عالياً، وأن نستميت في الدفاع لاحتواء القمم، إذ نحيلها احتكاراً استثماراً لسمعة معتبَرة، وكأنها وجدت غفلاً من الاسم، وثمة امتياز مسجَّل للبعض دون الآخر، وما التصارع على القمم إلا عدوى الخوف من مواجهة الحضيض، من سوء فهمه، من الانتشار في القاع، وكأني بالساعي الدائم إلى القمة، يهدّده التحرك في الجهات، ولقيا النجوم في مواطنها.

تكون القمة دائماً آخر ما يمكن التفكير فيه، إنها فكرة شاعرية، والشعر غواية الذات للذات، إنه يستحق النظر والإصغاء في حدود معينة، ومن المستحيل الاستمرار شعرياً، إذ حينها لا يعود الشعر شعراً، إنما أي شيء إلاه، لا بل تكون الفكرة هذه أقرب إلى الممارسة السحرية وقد صودق عليها، فننسلخ عما نحن عليه، لأن من المستحيل الإقامة على قمة، أو فيها، كون شروط الحياة أقل جدارة بأن تعاش، أقل توفيراً بالمرغوب فيه.

ومن يمعن النظر في هواة القمم أو المهووسين بها من «النجوم» يكتشف كثافة العتمة داخلهم، صعوبة في التنفس في محيطهم، لكأن القمة موهوبة قوةً خاصة، فهي فور تصريح أحدهم بأنه قممي، تستعجل في إقصائه. تُرى من يمشي على هامته؟

إن عذوبة ال(Top) لا تمحي القلق المولّد نتيجة تخيلّها، إنها تخص الفن وليس التطبيق، ومن يفلسفها فكأنما يتحدث عما هو مشاع، عما يجري احتيازه، ولعل الذين يشيرون إليها، حتى لو بدوا نجوميين، أي يكونون معتلي القمة، يبرزون في قرارة أنفسهم في منحى آخر ربما ليوهموا أنفسهم تلك أنهم مازالوا بعيدين عنها، إنها مقيمة في اللاتناهي، في الطموح الذي يستدرج صاحبه أحياناً إلى أعلى فأعلى حتى يطيح به صوب... الهاوية: الحضيض!

إن صناعية النجومية تنطلق من أعلى القمة، والخطر الوشيك الدائم بالسقوط، عدا احتجاب الشمس. إن الشعور الروحي والفعلي لجاذبية القمة وفي فتنتها المشروعة هو في لحظة الامتلاء بالحياة وسط الآخرين، على الأرض.

أن نحلم، أن نستمر في الحلم، هو أن نبقي القمة ماثلة داخلنا بصمت، ليكون تحركنا الأرضي أكثر نجاعة بامتياز!

إبراهيم محمود