يهدف كتاب «الدبلوماسية البريطانية في العراق» لمؤلفه صالح خضر محمد إلى تتبع نشأة وتطوير التمثيل الدبلوماسي البريطاني في العراق، على خلفية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية البريطانية التي برزت منذ القرن السابع عشر في العراق ومنطقة الشرق الأوسط عموماً.
وتوضيح مهام ودور الدبلوماسيين البريطانيين في بلاد ما بين النهرين (العراق) في الفترة الممتدة من (1831-1914) أي منذ عودة الحكم العثماني المباشر على العراق والذي بدأ بالقضاء على المماليك في بغداد سنة 1831 وحتى قيام الحرب العالمية الأولى سنة 1914 .
وانسحاب الدبلوماسيين البريطانيين من العراق ودورهم في دراسة الوقائع الميدانية المتصلة بكافة ميادين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بهدف وضع الخطط اللازمة لتعزيز نفوذ بلادهم أولا، والتصدي لمحاولات الدول الأخرى (فرنسا- روسيا- ألمانيا) في سعيها لمد نفوذها باتجاه العراق وبلاد فارس والخليج العربي عموماً.
كانت بدايات المصالح البريطانية في العراق في القرن السابع عشر، وذلك من خلال نشاط اثنتين من الشركات التجارية البريطانية العاملة في الدولة العثمانية وفى منطقة الخليج العربي وهما: شركة الشرق الأدنى، وشركة الهند الشرقية.
ولم تقتصر أهمية العراق على أمور التجارة فحسب، بل تعدت ذلك إلى أهميته في الاتصالات البريطانية مع الشرق عموما، والهند بشكل خاص من خلال استخدام أسلوب المصالح السياسية والاستراتيجية لبريطانيا في الدفاع عن وجودها وممتلكاتها في الهند.
و أهمية العراق في المواصلات بين الهند وأوربا. وهناك بعض الأسباب الفرعية للوجود البريطاني في العراق منها: التبشير والتنقيب عن الآثار العراقية، وهما من الأمور التي تنافست فيها البعثات الأميركية والفرنسية والبريطانية.
كما كان وجود الرعايا البريطانيين في العراق سببا في الاهتمام البريطاني بالعراق، بما فيهم الرعايا الهنود التابعين للتاج البريطاني. وقد انعكس نمو تلك المصالح على شكل التمثيل الدبلوماسي في العراق والذي بدأ في مطلع ثمانينيات القرن السادس عشر .
يؤكد صالح خضر محمد أن شركة الشرق الأدنى كانت تعين السفراء البريطانيين في اسطنبول والقناصل في مدن عثمانية أخرى حتى عام 1825عندما بدأت الحكومة البريطانية بتعيينهم.
واستمر هذا التمثيل الدبلوماسي البريطاني حتى نشوب الحرب العالمية الأولى عندما طلب السفير البريطاني جواز سفره من الحكومة العثمانية في 31 تشرين الأول عام 1914 وأمر بانسحاب جميع القناصل من الأراضي العثمانية عموماَ، ومن الأراضي العراقية والموزعين في مقيمية بغداد، والبصرة، والموصل، وكربلاء.
يؤكد المؤلف أن دراسة دور الدبلوماسية البريطانية في العراق في الفترة 1831-1914 يظهر أنهم تجاوزوا تلك المهام إلى مهام استخباراتية وعسكرية استهدفت تعزيز النفوذ البريطاني في العراق تمهيداً لإخضاعه للسيطرة البريطانية المباشرة .وهو ما يعد خرقاً للأعراف والقوانين الدبلوماسية، مثلما هو تجاوز على سيادة البلاد التى يعملون فيها وتدخل في شأنها الداخلي .
وتمثلت مهام هؤلاء الدبلوماسيين منذ إنشاء أول ميقمية بريطانية في بغداد عام 1798 في دعم المصالح البريطانية، وتعزيز النفوذ البريطاني في العراق، والإشراف على الرعايا البريطانيين، وغير البريطانيين، لاسيما الهنود، وكذلك الأمر مع الرعايا الأميركيين وبتكليف من الولايات المتحدة الأميركية في 1882 وحتى 1899 عندما أسست الولايات المتحدة الأميركية قنصليتها في بغداد.
كذلك الإشراف على شؤون البحرينيين والكويتيين منذ عام 1873 وتشجيعهم على تقديم طلبات إلى القنصلية البريطانية لطلب الحماية البريطانية والتخلي عن التبعية العثمانية. وكذلك الإشراف على إدارة وقف «أودة» وهى مملكة في شمال الهند على الحدود النيبالية يتشكيل سكانها من المسلمين الشيعة البالغ نسبهم 40% من عدد السكان.
وعن العلاقات المحلية للدبلوماسيين البريطانيين في العراق، يرى صالح خضر محمد أنهم قد اهتموا بإقامة صلات مع القوى المحلية العراقية من عشائر واتحادات قبلية عربية وإمارات كردية وأقليات دينية بما يخدم تقوية النفوذ والمصالح البريطانية.
كما أدركت تلك القوى المحلية مدى نفوذ هؤلاء الدبلوماسيين وتأثيرهم لذا سعت إلى الاستفادة من العلاقة معهم في مواجهة السلطات العثمانية، وخاصة عندما تتدهور العلاقة بين تلك السلطات والقوى المحلية، وفى مقدمتها العشائر والاتحادات القبلية العربية.
أما فيما يخص الحركة العربية في العراق، فقد اكتفوا بمتابعة تطوراتها، باستثناء بعض الاتصالات غير المثمرة بين القنصل البريطاني في البصرة و زعامات تلك الحركة مثل طالب النقيب، لم تكن هناك صلات أخرى بين الدبلوماسيين البريطانيين والحركة العربية في العراق.و تناغم هذا الموقف مع توجهات الحكومة البريطانية في الهند ولندن .
وكانت الحسنة الوحيدة، غير المقصودة لهؤلاء الدبلوماسيين، هو التأريخ للعراق الحديث سياسياً واقتصادياً واجتماعياً عبر أرشيف مراسلاتهم وتقاريرهم التفصيلية.
الكتاب: الدبلوماسية البريطانية في العراق (1831-1914)
تأليف : د. صالح خضر محمد
الناشر: دار الزمان للطباعة والنشردمشق 2009
الصفحات: 198 صفحة
القطع: الكبير
محمد جمعة