«دوما فكّر بما هو مفيد وليس فيما هو جميل. لأن الجمال يأتي من تلقاء نفسه»، قول للأديب الروسي نيكولاي فاسيليفيتش غوغول رائد الواقعية الروسية الحديثة، وأحد عمالقة الأدب العالمي. ويعتبر في وطنه الأديب الذي نجح في توصيف المجتمع الروسي والشخصية الروسية بصورة واقعية نقدية ساخرة.
كتب غوغول الذي ولد في قرية سوروشينتسي في القوزاق عام 1809، عن الفئة المتوسطة والبيروقراطية والفساد الحكومي بعمق وتحليل ورؤيا نقدية ساخرة. وقد ساعدته نشأته العائلية في كنف والد ميسور الحال من الفئة الوسطى ووالدة تنحدر من أصول بولونية نبيلة، في استيعاب تركيبة بنية المجتمع. كما ساعدته دراسته على يد أفضل الأساتذة في بيت العائلة في إتقان اللغتين الأوكرانية والروسية. انتقل إلى المدرسة الداخلية عام 1820 وخلال السنوات الثماني التي أمضاها، كان تلميذا عاديا لا يميزه سوى حبه وبراعته في الدراما، حيث أشرف على برامج المسرح طيلة فترة دراسته، استقر بعدها في سانت بطرسبرغ وبدأ بالكتابة، ونشر على نفقته الخاصة ديوانا شعريا تحت اسم مستعار. وحينما تناولته الصحف بالسخرية جمع كافة النسخ وحرقها.
في عام 1831 التقى بالشاعر الروسي الكبير الكسندر بوشكين، وشكلت صداقتهما محورا مفصليا في حياة غوغول. وسرعان ما عاد إلى الكتابة ونشر المجموعة الأولى من قصصه القوزاقية القصيرة في ذات العام، ليتبعها بمجلد آخر في العام التالي، وهكذا استمر في الإنتاج بغزارة وطاقة عالية حتى عام 1836 ولم يكن واثقا خلالها من تفرغه بالكامل للكتابة.
ومع صدور النص الدرامي الكوميدي «المفتش الحكومي» في ذات العام والتي استلهم فكرتها من صديقه بوشكين الذي طرح عليه أيضا فكرة روايته «أرواح ميتة»، حقق نجاحا كبيرا أقنعه بمصداقيته وموهبته ككاتب.
عاش بعد ذلك لمدة 12 عاما في المنفى بسبب نقده اللاذع للبيروقراطية والفساد السائد. وزار خلالها عدة بلدان أوروبية منها ألمانيا وسويسرا وباريس وروما التي أحبها واستقر فيها، ونشر عام 1841 الجزء الأول من ثلاثية روايته «الأرواح الميتة» التي رسخت مكانته كأديب قومي. حاول بعد ذلك كتابة الجزء الثاني إلا أن الصراع الذي عاشه بين الأخذ عليه بتعرية واقع روسيا أمام العالم الخارجي وقناعاته ورغبته في الكمال دفعاه إلى إحراق ما كتبه عدة مرات.
وتجلت ملامح عبقريته في روايته القصيرة «تاراس بولبا» التي نشرها عام 1834 وكتبها بروح رومانسية مشابهة للشاعر اليوناني هوميروس، لتتبلور لاحقا في قصتيه «الأنف» و«المعطف» ونشرتا عام 1935. وخلال زياراته للوطن فيما بعد تعرف على راهب متطرف جعله يزهد في حياته ويصاب باكتئاب نفسي حاد أودى به إلى الموت في 24 فبراير 1852.
يصور غوغول في روايته «الأرواح الميتة» الحياة والشخصية الروسية بدقة متناهية وبأسلوب كوميدي ساخر، وحبكة الرواية في العمل بمثابة خلفية لعرض نماذج مختلفة من شخصيات الفئة العليا من الطبقة الوسطى، التي تتمحور هواجسها حول الإعجاب بالنفس واستعراض المكتبسات والسلوك التي يؤكد انتماءها للمجتمع الراقي.
ويتصف أسلوبه في هذا العمل بالاستطراد في كل موضوع أو فكرة حتى النهاية، مع التحاور مع القارئ من خلال الراوي ليطلب منه تارة الصبر وتارة الاحتمال وتارة أخرى مسامحته، والرواية تجمع ما بين العمل الملحمي في الموضوع الإنساني الشامل وبين رواية المتشردين التي نشأت في اسبانيا وراجت في القرنين السادس عشر والسابع عشر وحتى يومنا هذا.
يصل بطل الرواية تشيتشيكوف إلى بلدة إحدى ضواحي روسيا، بهدف التعرف على الإقطاعيين الأثرياء وبالتالي تنفيذ خطته التي لا يكشف عنها غوغول إلا بعد منتصف الرواية، وتشيتشيكوف رجل خبير بنفوس البشر ومحنك في التعامل معهم ومن خلاله يتعرف القارئ على بنية المجتمع الروسي أو أي مجتمع آخر يقيم الإنسان والنجاح من خلال قيمة الثروات والأنساب.
من خلال تلك اللقاءات يعزز تشيتشيكوف مكانته عند الجميع من المحافظ ورئيس الشرطة إلى الإقطاعيين، وبعد مضي أسبوعين على وجوده في الضاحية يبدأ بتنفيذ مخططه من تلبية دعوات أصحاب المزارع، ويبدأ بمانيلوف الذي توحي ملامحه بالطيبة والرضا والإعجاب بنفسه وكل ما يرجع صدى هذا الإعجاب ومنهم بطلنا، وما يحتويه بيته من أثاث وتحف يعكس جوانب شخصيته. فكما هو لا مبال بإدارة مزرعته واعتماده على مدير عينه، كذلك أثاث بيته حيث تخلو بعض الغرف من الأثاث دون اهتمام أو مبرر وكذلك الأمر مع زوجته.
يطرح تشيتشيكوف خطته بعد انفراده بمضيفه في المكتب. يقترح عليه بصورة فيها الكثير من التمهيد أن يشتري أرواح الأقنان الذين ماتوا، وبذلك يساعده على التخلص من ضريبة الحكومة التي تعتمدها تبعا لإحصائيات غير دورية ولا تأخذ بالاعتبار موت الأقنان حتى الإحصائية القادمة، لذا يساوم البطل على هذا الجانب دون أن يفصح عن غايته.
ومن خلال مفاوضات الشراء تتكشف للقارئ طباع تلك الفئة بين الجشع والشك والترفع والكسب. ينجح البطل في شراء أرواح من الجميع باستثناء نوزدريف الذي خسر ثروته في القمار، والذي بعناده يرفض الصفقة رغم فائدتها له.
تمثل مخطط تشيتشيكوف بعدما اشترى مئتي روح ميتة في طلب قرض من الحكومة برهن أقنانه ليشتري أرض ويعيش في نعيم بقية حياته، لكن ثرثرة نوزدريف في السجن وخارجه تفشل مخططه، فيركب عربته ويهرب من البلدة بعدما كشف أمره.
رشا المالح
لكتاب: أرواح ميتة
تأليف: نيكولاي غوغول
الناشر: دار فينتيج 1997
الصفحات: 432 صفحة
Dead Souls
Nikolai Gogol
USA 1997 Vitange
P.432