يبحث باتريك سافيدان في كتابه «التعددية الثقافية» فكرة أن العولمة تفرض ضرورة إعادة تقييم العلاقة بين الحرية الفردية وثقافة الانتماء، ويؤكد أن التعددية الاثنية-الثقافية هي معطى تاريخي قديم، ولكن حركة المجموعات البشرية وانتقالها واختلاطها تشارعت مع الثورة الصناعية الكبرى والعولمة وتحت ضغط «الديناميات الديموغرافية» تعاظمت الحركة أكثر.
وهذه الحركات «ليست تعسفية» ولكنها تستجيب في أغلب الأحيان لضرورات اقتصادية أو تندرج في سياق التاريخ الاستعماري. وقد أدى تضافر هذه العوامل كلها في بعض الأحيان إلى قيام «كيانات» يتعايش في إطارها مجموعات سكانية متعددة المشارب الاثنية والثقافية.
وفي المحصلة تتم الإشارة إلى أن «ديناميات الهجرة» وحركة المجموعات البشرية أدّت إلى تعزيز التعددية الثقافية بحيث أصبحت إحدى مكونات الواقع الاجتماعي في العديد من الدول. هذا ما يدركه الجميع لكنه من الصعب مع ذلك، على الدول الاعتراف بذلك. لكن بالمقابل لا يمكن لمثل هذا الواقع التعددي الجديد من أن يطرح للنقاش مسألة «الهوية الوطنية» ودرجة اندماج المهاجرين في نسيج المجتمعات «الجديدة» التي يعيشون فيها وعلاقاتهم مع ثقافاتهم الأصلية.
ويلاحظ المؤلف واقع أن عدد المجموعات الاثنية ـ الثقافية يبقى أكثر بكثير من عدد الدول ـ الأمم. هكذا أظهرت الإحصائيات أن هناك اليوم أكثر من 5000 مجموعة اثنية-ثقافية متواجدة في 190 دولة ذات سيادة قائمة في العالم. والمجموعات المعنية تتحدث لغات خاصة تنتمي بالتقريب إلى 6001 جذر لغوي. إن مجرد إدراك هذا الواقع يدل على أهمية واقع التنوع الثقافي على الصعيد العالمي.
لكن مقابل هذا التنوع هناك أيضا توجهات عالمية لنوع من «النمطية الثقافية» تترافق مع تأكيد اللغة الانجليزية كلغة عالمية. مع ذلك هناك تيارات تعمل في الاتجاه المعاكس. ويذكر المؤلف هنا المؤتمر العام الذي عرفته منظمة اليونسكو في باريس عام 2005 وتبنّى المشاركون فيه بالإجماع تقريبا اتفاقية لحماية وتشجيع التعبيرات اللغوية المتنوعة. وهذا يدل أيضا على أن التعددية الاثنية-الثقافية بدأت تصبح بمثابة «معيار» يُؤخذ فيه.
لكن الاعتراف بوجود التعددية الاثنية-الثقافية في واقع المجتمعات الحديثة لا ينفي أيضا أنها ظاهرة شديدة التعقيد. هذا خاصة أنه ليس هناك حتى الآن أي تعريف يتفق حوله الجميع حول مفهوم التعددية الاثنية-الثقافية. وكل المساعي التي بذلتها جهات مختلفة للوصول إلى تعريف يضمّ مختلف أشكال الظاهرة قد أدت إلى نتائج «غامضة» إلى درجة من الصعب الاستفادة منها كمعيار يمكن للدول تبنّيه.
ومن الملاحظ أنه في المجتمعات الديمقراطية، أو التي هي بصدد تبنّي النهج الديمقراطي، تثار نقاشات حول المطالب المتعلقة بتباينات الهويات الجماعية ومعرفة إمكانية، أو عدم إمكانية، تشجيع التعددية الثقافية دون ترجمة ذلك إلى إشاعة سلوكيات من عدم المساواة. إن السير في هذا الاتجاه أو في الآخر يطرح سؤال عما إذا كان ذلك يعزز الدينامية الديمقراطية أم أنه يدفع نحو تراجع الديمقراطية؟
كل هذه الأفكار المطروحة وما يرافقها من أسئلة يعالجه المؤلف على مدى الفصول الأربعة من الكتاب التي تحمل العناوين التالية: «دينامية المساواة الديمقراطية» و«مناهضة التعددية الثقافية» و«سياسة الهويات» ثم أخيرا: «التعددية الثقافية في خدمة الحريات». ويؤكد المؤلف أنه من خلال طرح مسألة التعددية الثقافية بكل أبعادها إنما يتم بنفس الوقت طرح مصير الدولة الديمقراطية نفسها.
المؤلف في سطور
باتريك سافيدان، مؤلف هذا الكتاب، هو أستاذ في جامعة السوربون ورئيس «مرصد أشكال عدم المساواة» ومدير مجلة «الفلسفة». وهو أحد المشرفين على إنجاز «قاموس العلوم الإنسانية».
الكتاب: التعددية الثقافية
تأليف: باتريك سافيدان
الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية ـ باريس 2009
الصفحات: 127 صفحة
القطع: الصغير
Le multiculturalisme
Patrick Savidan
PUF - Paris 2009
P.127