في العام 1994 كتب الراحل سعد الله ونوس صاحب بيانات المسرح العربي نصه الاشكالي «طقوس الإشارات والتحولات»، وكانت تلك آخر الكتابات العظيمة للراحل، وحينما وقع النص بين أيادي المسرحيين والنقاد العرب والقراء من سواهم، كانت الصدمة شديدة، كون هذا النص يأتي كصرخة مكتنزة بالخبرات التي راكمها هذا المسرحي العملاق.
وضع سعدالله ونوس إشاراته وشرع نوافذ البوح في التحولات فكانت الكارثة أن النص يوجه سهما صائبا إلى الوضع غير المنطقي في نظام السلطة عند العرب ويمارس فضحا قاسيا ضد فساده، هكذا ذهب ونوس في آخر ايامه، ليترك ارثا واثرا فنيا ابداعيا ورط من جاء بعده من المسرحيين الذين ارادوا اخذه إلى الفرجة، وهذا شأن اي نص مسرحي، مصيره الذهاب إلى قاعة الجمهور وجعل الفرجة واقعا والكلمات حية نابضة ومن لحم ودم.. نص اشكالي تأمله المسرح العربي كثيرا وأحجم عن تقديمه أيضا الكثير من المخرجين هربا من المحرمات الثلاث الرئيسية في الرقابة العربية، ومع ذلك بقي نص الإشارات والتحولات يلح على الفرجة حتى وهو ساكن على ارفف المكتبات..ذهب اليه مجموعة من المخرجين من الذين قرروا السباحة عكس التيار وتحمل الاعباء، وفي كل مرة تأخذ الفرجة شكلا جديدا، وهذا شأن النصوص المسرحية المهيأة للخلود.
الراحل سعد الله ونوس ذهب إلى التاريخ في صناعة نص طقوس الإشارات والتحولات، ومن حكاية عربية تقول إن مفتيا كان على خلاف مع نقيب الأشراف بسبب سلوكه وجهله ، فلما قبض عليه في وضع مخل مع احدى المومسات، تناسى المفتي عداوته وابتكر حيلة تخرج النظام من دائرة المسائلة والفضيحة حينما استبدل المومس بزوجة النقيب سرا، فأنقذ سمعة الأشراف. ومن هذا المرتكز الصلب للحكاية نسج ونوس احداث فرجته المسرحية، لكي يحيلنا إلى خراب النفس ودهاليزها، حيث شخصيات طقوس الإشارات والتحولات، متحولة تبعا للمحيط والبيئة مهما بلغت في مظهرها ومكانتها من المثالية. ذهب سعد الله ونوس إلى الحدود الرقابية المزعجة لكي يمحوها بأدبه المسرحي ويجعل من المسرح اداة لهتك الساتر الجائز للوعي.. في مهرجان المسرح العربي الأول الذي انعقد في القاهرة في الفترة من السادس وحتى العاشر من شهر مايو 2009 كان موعد الجمهور مع فرجة جديدة لنص «الإشارات والدلالات»، أعدها وأخرجها المخرج الأردني زيد خليل مصطفى، وهي الفرجة التي أعادت إلى السطح من جديد حديث الجرأة والخوف من معالجة هذا النص الصعب على التلقي في محيط الرقابة العربية ذات السقف الخفيض رغم بلوغها الألفية الثالثة من القرن..
يدخل المخرج زيد خليل إلى عوالم الطقوس والإشارات وحدتها ومفارقاتها المضحكة المبكية برؤية إخراجية فيها الشيء الكثير من الاختزال، باعتماد الفقر في المسرح والإصرار على اقل المعطيات على خشبة المسرح من أجل إفساح المجال للاعبيه الممثلين أن يتوغلوا لوحدهم في الشخصيات الونوسية الاشكالية، حيث الفرجة تغوص إلى داخل النفس لتكشف ترددها وتهاويها، ضعفها الحقيقي وجبروتها المزيف المكتسب عن طريق الاقنعة التي تلبسها السلطة لسدنتها. مسرح فقير في إطار الخشبة والمشهدية التي أرادتها تلك الرؤية. حيث يتدلى من السقف مجموعة دفوف، كمعطى مفجر لدلالات يقرأ منها الموروث الشعبي العربي، حيث لا مجال أمام تلك المفردات الاكسسوارية المعلقة إلا الذهاب عميقا إلى المناخ الطقسي الجامع بين حدية تناقضات الغانية وردة وصوفيه القائم على سدة القضاء والعدالة وفتاوى المصير.. فيما يضع المخرج على جانبي الخشبة قماشا شفافا تظهر من خلفه الشخصيات كظلال، حيث الشخصيات تغوص في داخلها.. استصبار وحل إخراجي لفك دلالات النص المفعم بالإشارات الحادة..
يبدأ عرض طقوس الإشارات والتحولات في العرض الأردني باهازيج وغناء جماعي تدخل على اثره الجوقه إلى خشبة المسرح بين قرع الدفوف لتبدأ رحلة السرد، وكشف المستور، وما يحسب لعرض المخرج زيد خليل الجديد على الساحة المسرحية العربية والذي يأتي بعد سلسلة عروض لهذا النص الذي خلده ونوس، انه عرض طليعي على جميع المستويات الفنية فيه، فاختيار نوعية اداء الممثلين، واعتماد الدخول والانفصال عن اطار الشخصية، واعتماد الجوقة محركا رئيسيا لمسار الاحداث، والانتقال من مكان وزمان النص إلى ملامسة الواقع العربي الحالي كلها تدعم فرجة فيها الشيء الكثير من احلام العرض المسرحي العربي الذي يصلح كعرض عالمي بالدرجة الاولى..
فجمالية العرض المتفجرة محملة على صور مشهدية تتجاوز لغة السرد، واذا كان لنا ان نقيم المقاربة بينه وبين مسرح الصورة، وهو الاحدث في عالمنا العربي، فان العرض الأردني يتركب من الوهلة الأولى من جملة صور تولد نفسها وتتوالى في التوليد، فهناك اصرار واضح في الرؤية الاخراجية على تجاوز السرديات عبر تكوين الصور والاصرار على اللغة البصرية التي تسير متجاورة وقوية مع اللغة السردية..يستحق العرض الأردني لطقوس الإشارات والتحولات الكثير من العناية من قبل النقاد، وأن لا يتم ذلك على حساب مقاربته بالتجارب السابقة للنص «الونوسي»..
المسرحية اللبنانية نضال الاشقر قدمت طقوس الإشارات والتحولات في لبنان، ويومها قيل إن الاشقر استطاعت استنطاق هذا النص في مناخ فرجوي عال لاقى استحسان النقاد العرب، وكانت هناك تجربة مسرحية في العام 2004 ولم تستمر حيث منع الرقيب السوري تكملة عروض الإشارات والتحولات التي تصدى لها المخرج الفرنسي من أصل عربي وسام عربش حينما أقام عرضين في دار الأوبرا بدمشق وذهبت فرقته بعد ذلك إلى حلب لتجد مصير المنع أمامها حينما أدان الرقيب العرض بأنه يتعرض لتشويه صورة المفتي ورجل الدين.
ويومها قال المخرج وسام عربش «أصبحنا نعرف أنه عندما نشتغل على نص لسعد الله ونوس سيكون هنالك مشاكل تثار، فهو لم يعش حياة مريحة كإنسان أو كفنان.. وإذا كان ثمة مشاكل سياسية أو دينية في المجتمع فيجب ألا نحملها للنص أو المخرج». أيضا المخرج العراقي الراحل عوني كرومي كان له لقاء مع هذا النص الاشكالي، عبارة عن عرضين للنص الإشارات والتحولات واحد يعتمد اللغة العربية والثاني يعتمد اللغة الالمانية، عدا عن تجارب تناولت النص في مصر.
في العرض الأردني لمخرجه زيد خليل مصطفى كانت البصرية عالية وهو ما تحدث عنه النقاد والمسرحيون الذين شهدوا العرض في مهرجان المسرح العربي الاول بالقاهرة، وتمت تحية المخرج على حساسيته في التعامل مع نص اشكالي لدرجة عالية ونص يمتلك فسحة كبيرة للخطاب السياسي والدلالي الجمالي.. طقوس الإشارات والتحولات الأردني لعب بطولته كل من خليل مصطفى والد المخرج زيد خليل مصطفى ورائد مداح، عبدالرحمن مداح، سارة الحاج، بشار نجم وآخرين.
مرعي الحليان