لا تخلو دولة عربية من جامعة أو جامعتين على الأقل، بل إن بعض الدول أصبحت تشتمل على عدد كبير من الجامعات الوطنية، ناهيك عن افتتاح العديد من فروع الجامعات الأجنبية التي أصبحت الموضة الجديدة للانفتاح على العالم، والتعامل مع منتجاته الفكرية المختلفة.
بعد مرحلة الاستقلال أصبح وجود الجامعة في الدول العربية متطلباً وطنياً مهماً مثله في ذلك مثل متطلبات التنمية المختلفة. فشرعت العديد من الدول في إنشاء الجامعات المختلفة، مستعينة في الغالب الأعم بالكوادر العربية من غيرها من الدول الأسبق تاريخياً في التعليم الجامعي مثل مصر وسوريا والعراق. لكن وبعد مرور عقود طويلة على إنشاء هذه الجامعات فإنها لم تثبت وجودها بشكل كبير وفعال في المجتمعات العربية، بل إنه من الملاحظ تراجع أهميتها وتدهور مستواها، وهو الأمر الذي تكشف عنه أمور عديدة مثل: خلو القوائم العالمية لأفضل الجامعات من أسماء الجامعات العربية، ضعف مستوى الخريجين وعدم ملاءمتهم لمتطلبات سوق العمل، وعدم قيام الجامعات بدور تنويري وتنموي حقيقي. يناقش الكتاب الراهن هذه القضايا المختلفة، ويحاول أن يقف على أهم أسباب تراجع الجامعات العربية، وضعف قدراتها المتواصل.
ويرتكز الكتاب على تصور نظري يضع العملية التربوية والتعليمية في القلب من التطور المجتمعي ككل. فمن الصعوبة بمكان تطوير الجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية ككل دون رؤية تنموية شاملة لكافة جوانب المجتمع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وفكرياً. ورغم أن الكتاب يركز بدرجة كبيرة على حال الجامعات المصرية الآن إلا أنه يمكن بسهولة أن نسحب مقولاته وأفكاره على حال الجامعات العربية ككل.
صحيح أن هناك تفاوتات بين الجامعات العربية المختلفة سواء في النشأة أو المستوى التعليمي، لكنها تفاوتات نسبية لا تخفي عمق وخطورة أحوال هذه الجامعات بشكل عام، وأهمية تحديثها بشكل كبير، وإدماجها ضمن التحولات التعليمية والتربوية الكونية.
يحدد الكتاب بوادر ضعف مكانة الجامعة في المجتمع من خلال ميل الجامعة إلى الجانب المحافظ والتقليدي، وضعف الحريات التعليمية، وازدياد المسافة اتساعاً بين الجامعة من جانب والتطور الاجتماعي والفكر السياسي من جانب آخر، كما هبطت وظيفة الجامعة من التفكير والتنظيم للمجتمع إلى إمداد الصفوة الحاكمة بالموظفين من الأساتذة، وانخفاض مستوى العملية التعليمية في جامعاتنا وضعف ملكات الخلق والإبداع، وأخيراً فقدان المؤهل الجامعي للكثير من بريقه. لعبت كل هذه العوامل متكاملة مع بعضها البعض دوراً كبيراً في إضعاف مسيرة الجامعات العربية وابتعادها عن المسار المنشود لها.
لا يغفل الكتاب عن تأثيرات النشأة التاريخية للجامعات العربية، وبشكل خاص الجامعة المصرية. فلم تبذل جهود كافية في مصر من أجل التهيئة لفكرة إنشاء الجامعات أو تكييفها وفقاً لمتطلبات المجتمع. ويبدو ذلك بشكل واضح من خلال عدم ربط الجامعة المصرية في ذلك الوقت بما كان موجوداً من مدارس عليا أسس لها محمد علي، أو مع مؤسسة الأزهر بوصفه مؤسسة تعليمية تراثية. وهو الأمر الذي جعل الجامعة تبدو في ذلك الوقت مؤسسة نخبوية منبتة الصلة بالمحيط المجتمعي العام.
ومن اللافت للنظر أنه رغم البدايات النخبوية للجامعة المصرية فإنها تحولت فيما بعد في إطار الدولة الوطنية إلى ساحة لاستقبال الطلاب من جميع الشرائح الاجتماعية دعماً لأيديولوجية الدولة وتوسيعاً لقاعدتها الشعبية، وهو ما أفقد الجامعة أهميتها من ناحية ضعف الإمكانيات المتاحة لها، وانعكس بالتالي على ضعف المنتج العلمي سواء على مستوى الكم أو الكيف مقارنة بغيره من منتجات الجامعات العالمية.
وبمرور الوقت دب الضعف في الجامعة وانتفت أهميتها المجتمعية وبشكل خاص في ضوء ما تقدمه للمجتمع وإسهاماتها في خطط التنمية المختلفة، بحيث اقتصر دورها فقط على النواحي التعليمية ومنح الشهادات الجامعية لآلاف الخريجين سنوياً. لقد انعكست تلك النشأة وما تلاها من سيطرة الدولة القومية على طبيعة الصراع بين التيارات الفكرية الفاعلة والمهيمنة على الساحة التعليمية الآن، والتي اشتملت على التوجه الحداثي الذي يدعو إلى الاقتداء بالنماذج الغربية، ونقل آخر المستجدات العلمية والفكرية المختلفة، وهو اتجاه لم يحقق قدراً كبيراً من النجاح في دعوته، بسبب صدامه مع الأفكار السائدة، وعدم تهيئته السياق لطرح أطره وأفكاره الجديدة.
والاتجاه الثاني اتجاه أصولي تخندق أصحابه تحت راية السلفية، وهو كسابقه لم يحقق قدراً ما من النجاح، بسبب أطره المفارقة للواقع المعيش، وعدم قدرته على تحديث الواقع، ودفعه إلى الأمام. أما الاتجاه الأخير فهو توفيقي حاول الجمع بين الاتجاهين السابقين، ولم يصبه قدر ما من النجاح مثله في ذلك مثل التيارين السابقين.
إن وجود هذه التيارات الثلاثة المتصارعة أدى إلى غياب فلسفة محددة موجهة للتعليم في جامعاتنا العربية، وهو ما انعكس على طبيعة شخصية الفرد كما يتم تنشئتها في الجامعة، حيث نجدها شخصية وسطية تبحث دائماً عن الحلول الوسط.
ويحدد الكتاب في ضوء ذلك ضرورة أن تتبنى الجامعات العربية فلسفة محددة توجهها في أهدافها وبنيتها وتخصصاتها بحيث تصبح مؤسسة قادرة على قيادة المجتمع في عصر العولمة. كما أن تبني فلسفة محددة للجامعات سوف يساعد على تحديد طبيعة وظائفها التعليمية والمجتمعية المختلفة.
إن تحديد طبيعة الاشتباك بين الجامعة والمجتمع مسألة على قدر كبير من الأهمية خصوصاً في ظل حالة التخلف التنموي العربي. فمن الضروري أن تضطلع الجامعة بالدورين التعليمي والمجتمعي بشكل واسع المدى وعميق التأثير. ودون هذين الدورين فإن مستقبل الجامعات العربية سوف يقتصر على تخريج دفعات جديدة منبتة الصلة بسوق العمل، بل إن نسبة كبيرة من الخريجين سوف تضاف إلى طابور البطالة المتوقع في عالمنا العربي، القنبلة الموقوتة المنتظرة في حياتنا العربية.
الكتاب: أزمة الجامعات العربية
تأليف د. يوسف سيد محمود
الناشر: الدار المصرية اللبنانية القاهرة 2008
الصفحات: 238 صفحة
القطع : المتوسط
د. صالح سليمان عبدالعظيم