بجوار كل التحف التي يصعب أن تثمن بأعلى ثمن في حجرة الملكة فيكتوريا صاحبة التاج الملكي البريطاني، توجد علبة من الفضة المطعمة بالذهب الخالص، يخيل للناظر لها من الوهلة الأولى إنها علبة ضمن علب المجوهرات الملكية، تحفظ فيها الخطة المستقبلية لحكم البلاد، أو على أدنى اعتقاد أن تكون بها قطع من الشوكولاته الانجليزية ـ أو «الأنجليش كيك» الذي يقدمه النادل الأنيق في الخامسة بتوقيت جرينتش يومياً... الذي أصبح تقليداً عالمياً.
المفاجأة كانت مذهلة، فتلك العلبة من الفضة والذهب تحتوي على قطع كرتونية ملونة صغيرة الحجم لها فراغات وبروزات خاصة، تتداخل مع بعضها أثناء اللعب بها، وتعرف باسم «البازل» وهو الاسم العالمي لها، ويترجم إلى كلمة «اللغز» عربياً وإن كان المسمى العالمي يطغى على «اللغز»...وتعتبر «البازل» فنا من الفنون التي يمكن ان يلعبها الطفل ـ ابتداء من ثلاث سنوات ـ وحتى يصير جداً يلعبها مع أحفاده ويستشعر السعادة ذاتها عندما كان يلعبها صغيراً.لم تدخل «البازل» في طيات التاريخ أو تنزوي في اللاشعور، أو تختفي من الأسواق، بل على العكس تماماً، فهي تزداد انتشاراً يوماً بعد يوم ولم يدخل عليها أي تحديث فهي مازالت تلك القطع الكرتونية الملونة التي تباع داخل صندوق كرتوني مرسوم عليه من الخارج مشهد طبيعي أو أحد أغلفة لكتب الصغار أو مكان جميل يطل علينا في بقعة ما من العالم..
وتتميز هذه اللعبة التي ـ دخلت في تحدٍ هائل ـ مع تكنولوجيا العصر الحديث، حيث يمكن ان يقضي الصغار والكبار في اللعب بها ساعات تفوق تلك الساعات التي يقضونها على الجهاز السحري، الكمبيوتر، تتميز هذه اللعبة، بأنها تنمي الإدراك والذكاء لدى الصغار، ابتداء من ثلاث سنوات، وحتى نهاية العمر بنسبة 70%، فكل من لعبها صغيراً شهد له بأنه من المفكرين والعباقرة وأيضاً المخترعين...وليس من العجب ان نجد الأطباء النفسانيين يقضون أوقاتاً طويلة في اللعب بها ولكن بجوار تجميعها في أشكال طفولية مختلفة يرسمون بها أشكالاً لتلافيف الدماغ، وأشكالاً أخرى لقسمات وجوه مختلف المرضى المصابين بأمراض نفسية أو عصابية معينة، وهي ـ اللعبة ـ تساعد الطبيب إلى حد كبير لفهم متغيرات وجه المريض ومتغيرات نفسيته أيضاً.
وتاريخ هذه اللعبة يرجع للقرن الثامن عشر، حيث كانت تستخدم وقتذاك في رسم أشكال تعكس جغرافية العالم بكل حدوده وبحاره وسهوله وأراضيه، وأكثر من كان يستخدمها في هذه الفترة هم من مدرسي الجغرافيا، أما على المستوى الاجتماعي فكانت تلعب فقط في المناسبات حيث تجتمع الأسرة كباراً وصغاراً للعب أو اللهو بها، لأن أهميتها وثقافة وفلسفة استخدامها كانت لم تظهر بعد...
وللعب «بالبازل» لا نحتاج سوى منضدة «ترابيزة» حجمها يوازي حجم اللاعبين بها، أو صغيرة للاعب واحد، تحتاج لوضعها ـ أي المنضدة ـ أمام نافذة يتسلل منها ضوء الشمس، أو تحت إضاءة صناعية حادة، لأن القطع الكرتونية صغيرة إلى حد كبير.
وللعب بها غالباً ما يكون داخل اللعبة الكرتونية صور مختلفة يمكن تجميع «البازل» للحصول على صورة متكاملة مماثلة، ولكن للاعب الاختيار فيمكنه توظيف خياله وفكره وفنه لابتكار صور أخرى.
ومن الطرائف التي تحيط بهذه اللعبة الرائعة إن زوجة الابن لفنانة تخصصت في هذه اللعبة تعرف باسم «بايرا لوك» وهي انجليزية الأصل وتقتني معرضاً لعرض الصور المختلفة لهذه اللعبة. زوجة الابن تحدث «حماتها» كنوع من الطرفة وأشركتها معها في تكوين صورة لحفل تتويج نابليون، وكانت «البازل» المستخدمة في تكوين هذه الصورة تزيد على نصف مليون قطعة كرتونية ملونة، فغضبت الحماة بحق ولكنها تحول غضبها إلى حيلة ماكرة وهي استخدام نظارة مكبرة، فما كان منها إلا أن تقف على قدم المساواة في اللعب مع زوجة ابنها.. وتمت الصورة خلال 72 ساعة غير متصلة.
بعض المتغيرات في صنع هذه اللعبة «البازل»، طرحت نفسها على الساحة، ولكن بشروط فرضتها كلاسيكيات الشكل والمضمون للعبة الكرتونية ذاتها، فقط بدأت القطع الكرتونية تكون مزدوجة الشكل بمعنى ان الوجه والخلفية للكرتونة الملونة تكون متماثلة وهذا يسهل عملية اللعب وسرعة الإنجاز، أيضاً صنعوا الكرتونيات بأبعاد ثلاثة وهو إنجاز رائع أيضاً يسهل انجاز الأشكال المعقدة للعبة وطريقة تركيبها.
ونسخة واحدة فقط وعلى الإطلاق صنعت من الخشب الرقيق جداً يأخذ نفس أشكال البازل الكرتونية، بعد أمر من دوقة ودوق ويندسور، برغم انهما يحتفظان بالعديد من الصناديق والعلب التي تحتوي على أعداد مهولة من «البازل» الكرتونية الكلاسيكية.
وفي بعض دول العالم كالولايات المتحدة وانجلترا والمانيا والنمسا واليابان والهند، تدخل لعبة «البازل» ضمن المناهج الدراسية للصغار والكبار وتتدرج اللعبة في التعقيد مع كل مرحلة عمرية، وربما من هنا تزيد نسبة الجدية في العمل والتفوق والابتكار وزيادة في عدد العلماء والمخترعين، واللغز يكمن في «اللغز»!!!
ترى هل لنا ان نشتري يوماً لصغارنا صندوقاً كرتونياً به «البازل» الملون زهيد الثمن عظيم الفائدة، بدلاً من الزج بهم صغاراً في عالم الألعاب الالكترونية التي تستنفد وقتهم وتزيد من عصبيتهم؟! الحل موجود!!
وكانت الحدائق العامة وسط أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر تترك مساحات غير مزروعة ولكنها «مبلطة» ببلاط أبيض ناصع، ليتمكن الصغار وأيضاً الكبار من تكوين المناظر الطبيعية للحدائق باستخدام تلك القطع الكرتونية «البازل» وكانت تقام مسابقات دورية للوصول لمسابقة التصفية بين الدول الأوروبية، ألمانيا وفرنسا وانجلترا خصص كل منها معلمين لهذه اللعبة داخل الحدائق، وربما من هنا تربت أجيال على حب الطبيعة وانعكاسها بالكرتون الملون، وكانت بداية للمبدعين..
وأذكر، عندما كنا صغاراً، كانت الأسر المصرية تشتري لصغارها علبا خشبية مربعة أو مستطيلة بداخلها مكعبات خشبية متوسطة الحجم وصور لأشهر القصص العالمية مثل «الأميرة النائمة» و«هانس وجرتيل» للأخوين جريم وكنا نفرح بهذه اللعبة عندما نجدها في الصباح بجوارنا، فيكون يومنا رائعاً به الأمل والتطلع، وكانت هذه اللعبة جماعية أو فردية اللعب، فيتاح لنا مزيد من التعرف على الأصدقاء والجيران.. عالم ومجتمعات غرست في الصغار الهدوء والإبداع، بعيداً عن كل ما هو صاخب ومعقد وفردي!!
أيضاً وظفت هذه اللعبة بعد إنجازها في شكل صور مختلفة وعرضها في المعارض، ويخصص الدخل الوارد منها للأعمال الخيرية، مثل دار المسنين ودار ذوي الاحتياجات الخاصة وأيضاً جزء من الداخل يذهب لكبار الفنانين على اختلاف وتنوع فنونهم، وهم في مرحلة التقاعد.
جميعها أفكار إنسانية، تخرج من قصاصات كرتونية ملونة، تصقل الخيال والإبداع وتزيد من الذكاء، وتعد بأجيال جادة تحمل بلادها وتسيرها نحو آفاق أرحب، فلسفة وثقافة لعبة الكرتون الملون «البازل» لابد لها ان توظف بطرق جادة في بيوتنا ونوادينا وأيضاً مناهجنا، يحتاج أطفالنا وشبابنا لصحوة جديدة أكثر إبداعاً من مجرد استيراد تكنولوجيا قد لا تفيدهم في سنواتهم الأولى، ولكن بالطبع لها كل التقدير فهي لغة العصر، وكنا نريد أن يكون لها أيضاً كل الاحترام اذا ما صنعت بسواعد عربية، وهو ليس بالكثير فللعرب الريادة دائما ونطمع فيها الآن أيضاً، و«كان هناك ـ في الغربـ «نهار ما طلعش... وهنا ـ في عالمنا العربي ـ عز النهار»!!
نريد ان نعيش دائما في «عز النهار».
منى مدكور