رغم علاقة العرب والمسلمين بآسيا الوسطى، إلا أن معلوماتنا العامة مازالت متواضعة، وما وصلنا يسيء إلى هذه العلاقة بدلاً من سبر عمق التاريخ. لم تكن هناك دول اسمها تركمانستان، قرغيزستان، وكازاخستان، وأزبكستان، وغيرها من دول آسيا الإسلامية التي كانت تحت الحكم السوفييتي، كانت عبارة عن قبائل رحل حتى القرن التاسع عشر، لكنها مناطق مستعمرة عند قيصر روسيا، وقد بنى مدينة توكماك التي لم تسكن من قبل الناس، لذا اضطر الروس لبناء مدينة بشكيك العاصمة الحالية لقرغيزستان، عام 1870م، وبشكيك تعني (مدق الحليب) أي المدق الذي بواسطته تستخرج الزبدة من الحليب.
ولم يكن الروس هم اللاعبون الوحيدون في تلك المناطق رغم أن الغلبة لهم، فقد كانت للمسلمين أيضاً أدوار يذكرها التاريخ كان يسيطر على قبائل (أوزبكستان، وقرغيزستان، وكازاخستان، وتركمانستان) رجل قوي ظهر في القرن العاشر الميلادي ووحد هذه القبائل تحت راية الإسلام وكان اسمه (كارخان) الذي بنى مدينة أخرى جعلها عاصمة لهذه القبائل سماها (بالاساغول) وفي هذه المدينة بنيت أول منارة إسلامية شاهقة بلغ ارتفاعها 47 متراً، وما تبقى منها الآن في مدينة توكماك حوالي 27 متراً بعد أن تعرضت للإهمال البشري في عهد الحكم السوفييتي.
وإلى عوامل التعرية الطبيعية التي ساعدت على هدم القسم الأعلى منها، يقال ان رجلاً مسلماً اسمه خاص صاحب يوسف بالاسوغولي، هو الذي بنى هذه المنارة، وهي شاهدة على ذلك الزمن حتى الآن وحولها العديد من الآثار الإسلامية التي تعود إلى القرن العاشر الميلادي، كما تختلط مع هذه الآثار الإسلامية بقايا الآثار الوثنية التي كانت عليها القبائل قبل الإسلام.
وهكذا نجد صراعاً حضارياً لم يعتمد على الحروب ساعد على بناء حضارة إسلامية قديمة، وأن تدخل الروس في بعض القرون وحولوا الأمر لصالحهم. خاصة في بشكيك عاصمة قرغيزستان، وعند سقوط النظام السوفييتي عادت المنطقة نسبياً إلى حالتها الطبيعية وظهرت المساجد، ورممت الآثار الإسلامية، إلا أن الروس عادوا مرة أخرى بوجه اقتصادي وبالتالي فهم أحد اللاعبين الأساسيين في هذه المناطق وأصحاب نفوذ تاريخي، ومعاصر.
حينما تزور منطقة توكماك حوالي ساعتين خارج العاصمة بشكيك لن تجد غير اللون الأخضر، يصبغ الأرض من حولك، وتحيط هذه الخضرة جبال فضية تنتظر ذوبان ثلوجها لتبدأ خضراء هي الأخرى، ولهذا اللون دلالات أخرى ستجدها في حياة الناس البسطاء الذين يدخلونك دارهم ويذبحون لك الخراف دون معرفة سابقة، لذا صدقت حكايات حاتم الطائي، وأنا أرى ذلك محققاً أمامي، هذه الأرض لم تلطخ بإشكالات المجتمعات المادية، وظلت نقية بكل ما فيها من أرض، ونبات، وماشية، وإنسان، ورغم ذلك يبقى صراع الأيدلوجيات الدينية، والفلسفية، والاجتماعية، والاقتصادية، وستظل منارة (بورانا) شاهدة على عمق التأثير الإسلامي في هذه الشعوب.