ليس مبالغة القول إن العلاقة الجدلية القائمة بين بلاط الحكم ومملكة الشعر والممتدة على مر العصور تجسد، في أبرز جوانبها، تلك العلاقة الشائكة والمعقدة بين السلطة السياسية والمثقف عموما، علاقة تصل إلى حد الشراكة أحياناً، إن لم نقل في معظم الأحيان، وانعدام إمكانية المبالغة في هذا القول يأتي من الحاجة العضوية التي تجعل من الصعوبة بمكان استغناء أحد طرفيها عن الطرف الآخر. فالشاعر بحاجة إلى الغطاء السياسي والدعم المادي، في حين أن الحاكم بحاجة إلى الغطاء المعنوي والدعم الإعلامي.
بصرف النظر عن طبيعة التشكيلة السياسية السائدة في هذا المجتمع أو ذاك، ومهما تنوعت الظروف والمناخات المكانية والزمانية والأبعاد الفكرية، كان شاعر البلاط ولا يزال حاضرا بمكانته المرموقة في قصر الحاكم سواء كان الأخير ملكا يتربع على عرش مملكة أم رئيسا يحكم بلاده نظاما جمهوريا أم زعيم قبيلة تحكمها التقاليد والأعراف أكثر من القوانين الوضعية أو حتى رئيسا لدولة يحكمها نظام شيوعي، واقع لا غمز فيه من قيمة الشعر والشعراء ولا ينتقص من قدرهم ودورهم الإبداعي بقدر ما ينطوي على سمة أو توصيف حالة لازمت تاريخ الإنسان عموما أو المكتوب منه على أقل تقدير، وكأن ثمة نوع من الزواج الكاثوليكي الذي يجمع بين مملكتي الشعر والسلطة في متلازمة لا انفكاك في عراها عندما يتماهى طرفاها في التصاقهما الدائم وينظران إلى بعضهما عبر سلسلة من الضرورات والاحتياجات التي تلزم كل منهما وتشكل زاده وزواده في مسيرتي الإبداع والحكم.
وهذا يعني أن ذاك الترابط الوثيق بين الشاعر والحاكم قد بات يشكل تقليدا حتى في أعتى الأنظمة السياسية حرية وديمقراطية، تقليد شاهدنا أحد آخر فصوله في حفل تنصيب الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما قبل أن تعطي ملكة بريطانيا إليزابيث موافقتها النهائية، مؤخرا، على تعيين شاعرة اسكتلندية الأصل في هذا المنصب المعنوي رفيع الشأن. وبذلك تنضم كارول آن دوفي البالغة من العمر 35 عاما إلى تلك القائمة الطويلة من مشاهير الأدب الإنجليزي، فهي أول امرأة تتبوأ هذا المنصب الشرفي الذي كان حتى اختيارها حكراً على الشعراء من الرجال.؟
سجلت أول حالة تعيين في هذا المنصب في بريطانيا عام 1668 في عهد الملك تشارلز الثاني، علما بأن هذا المنصب يمنح لشاعر مرموق ليأخذ مكانه فردا في الحاشية الملكية لقاء نظمه قصائد تمجد العائلة المالكة والمناسبات القومية المهمة، ولكن في العصر الحالي صار هذا المنصب مجرد لقب شرفي معنوي لا يلزم صاحبه بكتابة قصائد المناسبات.
وقد حصل على اللقب من قبل شعراء من قبيل وليم وردزورث وجون درايدن وتيد هيوز. وقالت كارول آن دوفي عقب تقليدها المنصب إنها قبلت المنصب فقط لكونها أول امرأة يتم تكريمها كشاعرة به، مشيرة إلى أن ابنتها الوحيدة (13 عاماً) هي من نبهها لهذا الأمر. ؟وأضافت الشاعرة، التي تخلف الشاعر اندرو موشن في لقب شاعر البلاط، إنها ستتبرع براتبها السنوي البالغ 5750 جنيها، الذي ستحصل عليه خلال سنواتها العشر في المنصب، إلى «جمعية الشعر» ليصبح أساسا لجائزة تقدم الى صاحب أفضل ديوان شعري كل سنة، وذلك في إشارة قوية منها إلى غلبة الجانب المعنوي والتشريفي على هذا المنصب المرموق.
الشاعر البريطاني اندرو موشين عين قبل عشر سنوات شاعرا وطنيا او شاعر القصر، وعلى الرغم من أنها مهمة احتفائية يتعامل معها الشاعر الذي يختار لها كنوع من التكريم في إطار تقليد قديم يعود الى القرن السابع عشر، ومع أن مهمة الشاعر لم تعد تتعلق بنظم قصائد المديح للحاكم، ملكا ام ملكة ولا الاحتفاء بمناسبات الوطن وانتصاراته، ولا تنطوي على مهام معينة متحولة بذلك إلى مجرد تكريم للشاعر وانجازه،حيث أكد موشين، الذي تسلم اللقب بعد وفاة الشاعر الكبير تيد هيوز، انه عندما التقى الملكة لأول مرة قالت له إنه غير مضطر للقيام بأي عمل.
وهو نفس ما سمعه وقتها من رئيس الوزراء البريطاني في حينه توني بلير، إلا أن موشين هو أول شاعر وطني أو شاعر للقصر يقرر الاستقالة من منصبه بمحض إرادته. ولهذا قدم بعض التأملات عن دوره كشاعر للملكة واشعاره الملكية، كما يطلق عليها، وعقد من الزمن قضاه حاملا هذا اللقب. ففي جردة حساب لعشرة أعوام كتب موشين في الملحق الأدبي لصحيفة «الغارديان» انه حمل لقبه هذا لأول مرة في الاول من مايو 1999 ولهذا فهو أول شاعر يمكنه الإدعاء بأنه شاعر القصر منذ جون دريدين والقول «كنت شاعر القصر».
خير مثال على العلاقة الجدلية بين الحاكم والشاعر في التاريخ العربي تقدمه لنا تجربة الشاعر أبو الطيب المتنبي مع السلطة، تلك التجربة التي لا تزال حاضرة بين ظهرانينا رغم مرور أكثر من 10 قرون من الزمن على رحيل الشاعر الكبير، الذي لم يكن شاعرا للبلاط فحسب بل إنه سعى بكل ما أوتي من قوة إلى التربع على عرش البلاط نفسه، وربما تشكل توجهات المتنبي تلك أحد ألأسباب الرئيسية لزجه في السجن ولعل هذا ما دفعه، بعد إطلاق سراحه، إلى الاتصال بعدد من الأمراء والقادة، فمدحهم ونال رضاهم وهباتهم ليدفع عنه الفاقة والعوز وربما بطش الحكام ايضا، إلى أن استقر به المقام في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب، الذي قرّبه.
وأغدق عليه المكافآت والأموال، فانتعشت أحواله واستقام حاله.ومن نافلة القول إن علاقة المتنبي والأمير الحمداني تشكل بذاتها نموذجا مثاليا للعلاقة الجدلية القائمة على المنفعة المتبادلة بين المثقف والسلطة، بين الشاعر والحاكم، بين القلم والسيف، وهي علاقة سرمدية تنطوي على خاصية التكامل وحتمية وجود الطرفين المشكلين لها في الحالة الواحدة معا،ففي حالة المتنبي والحمداني، على سبيل المثال، بات كل منهما متكاملا بالآخر، حتى بلغت مدائح المتنبي لسيف الدولة نصف شعره، على حد تعبير بطرس البستاني، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تلك القصائد عبرت عن مشاعر صادقة وولاء مخلص، من جانب المتنبي، الذي حظي، في المقابل، بنعمة العظمة، التي كان يختلج بها صدره، لا سيما وأن الأمير الحمداني قدمه على أقرانه من شعراء البلاط.
في العصر الحديث أو في المنظومات السياسية الليبرالية المعاصرة لم تنتف الحاجة إلى وجود شاعر البلاط وإن تباينت المسميات أو التسميات، لكن السؤال الذي بات يطرح بقوة في هذا الميدان هو: هل يجب أن يطلق على صاحب هذا المنصب المعنوي شاعر للبلاط أم شاعر للوطن؟
في هذا المجال تبرز تجربة الولايات المتحدة، التي يضعها الكثيرون في صدارة الدول الممثلة للحريات والتقدم والاجتماعي والازدهار السياسي، إلى درجة يبدو من المستغرب معها حرص هذا النظام السياسي، وريث قيم ومبادئ القارة الأروروبية القديمة، على تبني هذا الجانب من المنظومة القيمية للنظام الملكي البريطاني الذي ولد من رحمه فيما يتعلق بتقليد شاعر البلاط، إذ طلب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، على سبيل المثال، من مايا أنجلو الشاعرة الأميركية-الإفريقية عقب فوزه بالانتخابات أن تؤلف قصيدة خاصة من أجل المناسبة وتقرأها في حفل افتتاح رئاسته.
ألفت أنجلو يومها قصيدتها الشهيرة «في نبض الصباح» وقرأتها بنفسها في حفل افتتاح رئاسة كلينتون عام 1993 وسرعان ما ذاع صيتها منذ ذلك الوقت. ألقت مايا قصيدتها بأداء مسرحي بارع وهلل لها الحضور والإعلام مثلما هللوا قبل حوالي نصف قرن للشاعر روبرت فروست، الذي أسس هذا التقليد حين قرأ قصيدته في حفل افتتاح عهد الرئيس الأميركي السابق جون. ف. كيندي عام،1961 الذي كان رئيسا ديمقراطيا هو الآخر، إذ أن فروست كان أول شاعر يقرأ قصيدة من تأليفه في افتتاح عهد رئاسي أميركي.
في حفل 1993 أطلق بيل كلينتون على مايا أنجلو لقب «الرئيسة الإفريقية للأمة»، بينما قالت الصحافة إنها أكثر الأميركيين السود حضورا في حفل التنصيب ذاك. تبدأ قصيدة «في نبض الصباح» بتحية للطبيعة الأم، التي احتضنت كل الأعراق بلا تمييز، وأتت على ذكر كلمات مثل الصخرة، النهر، الشجرة التي شكلت موطنا لكل السلالات منذ تفارقت وحددت وجود الكائنات المنقرضة.
ولو أتيحت الفرصة للشاعرة الأميركية لخوض التجربة ذاتها من جديد لما ترددت لحظة واحدة، فلقد أعلنت أنها تشعر بأن هناك قصيدة تنبع وتتدفق في داخلها منذ إعلان فوز باراك أوباما في انتخابات الرئاسة الأميركية ولكنها أشارت إلى أنها لا تتوقع أن يتم اختيارها لتقرأ قصيدة في حفل افتتاح رئاسته. كما أعربت الشاعرة ذات الثمانين عاما من منزلها في ونستون.
حيث تسكن وتعمل أستاذة جامعية في مقابلة لها مع وكالة «الأسوشييتد برس» عن استعدادها لتأليف قصيدة خاصة للرئيس أوباما، لكنها أضافت: «أنا متأكدة من أن أوباما سيأتي بشاعره الخاص، فقد كنت شاعرة رئيس آخر». ومن الجدير بالذكر أن الشاعرة مايا أنجلو تعتبر من أهم الأصوات في الأدب الأميركي المعاصر وفي الأدب الأفرو-أميركي أو ما يطلق عليه «الأدب الأسود». وإلى جانب كونها شاعرة، تحاضر مايا في قسم الدراسات الأميركية في جامعة ويك فورست وتشغل وظيفة أستاذة دائمة للأدب.
باراك اوباما الرئيس الرابع والأربعين لم يشذ عن قاعدة أسلافه في إعلاء مكانة الشعر والشعراء وربما الإفادة منهم في مسيرة الحكم، فطلب من الشاعرة الأميركية اليزابيت ألكسندر (1963) إلقاء قصيدة في حفل تنصيبه، فلبت الدعوة وحضرت في 20 يناير 2009 الماضي الحفل الرئاسي وألقت قصيدتها «أغنية تسبيح للنهار».
لكن المسألة لا تتوقف عند مشاركة شاعر في حفل تنصيب رئيس أميركي، فللولايات المتحدة شاعرها الرسمي أيضا وآخرهم شاعر أميركا الرسمي الخامس عشر تشارلز سيميك، الذي تم تعيينه في منصب «مستشار الشعر» في مكتبة الكونغرس، تقليد يحاكي منصب شاعر البلاط البريطاني العريق.وبصفته الرسمية هو المستشار الشعري لمكتبة الكونغرس. وهو تقليد حديث، استحدثته مكتبة الكونغرس عام 1986، وتختار له شعراء متميزين ومجيدين،من أبرزهم جوزيف برودسكي الروسي المولد، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1987، الذي اعتبر المنصب «هو إلى حد كبير ما تصوغه منه وتحوله إليه».
كما حصلت الشاعرة الأميركية لويز غليك على لقب «الشاعر المتوج»، وارثة إياه عن شعراء كبار سبقوها الى حمله مثل بيلي كولينز، روبرت هاس وريتا دوف. وباشرت عام 2003 عملها مستشارة في مكتبة الكونغرس، مهمتها الأولى اقتراح أسماء شعراء وكتاب للمشاركة في الفعاليات الثقافية التي تقيمها المكتبة، إضافة الى ابتداع فعاليات جديدة تسهم في جذب جمهور أوسع نحو الأدب عموماً والشعر خصوصاً.
بيد أن سرمدية تلاقي سلطتي الشعر والسياسة على مر التاريخ قد يعتريها نزوع إلى الطلاق أحيانا، فعلى الرغم من ذلك الحلف التاريخي وإيجابية التفاعل بين طرفيه، إلا أن كل ذلك لم يحل دون القرار الذي اتخذه الشاعر البريطاني اندرو موشين بتنحيه عن منصب شاعر البلاط البريطاني، لأسباب شخصية سياسية تتعلق بالحروب التي يشنها النظام الغربي في عدة بلدان حول العالم، ما دفعه إلى الانضمام الحركة المعارضة للحرب على العراق، ونشر قصيدة ضد الحرب في الصفحة الأولي من صحيفة «غارديان»، واصفا الساسة الأميركيين والبريطانيين بأنهم: «لم يتعلموا أبدا غير لغة حريق الصواريخ. أما كلامنا الأكثر استقامة، فيتعرض للغرق لكنه أكثر صرامة، إنها من أجل الانتخابات والأموال والإمبراطورية والنفط».
الشاعرة في سطور
ولدت كارول آن دوفي في 23 ديسمبر 1955 بمدينة جلاسجو باسكتلندا ونشأت في مقاطعة ستافوردشاير في غرب وسط انجلترا، وتلقت تعليمها العالي في جامعة ليفربول حيث تخرجت بدرجة في الفلسفة عام 1977. وبالإضافة إلى كونها شاعرة فهي أيضا كاتبة مسرحية وكاتبة أطفال وصحافية مستقلة، وقد سبق وأن حصلت على عدة جوائز وأوسمة من الدولة لتفوقها الأدبي لاسيما في مجال الشعر.
باسل أبو حمدة