ستار مخملي أسود وقور... ينسدل على الكون فيكون الهدوء والخشوع والشعور بإعجاز الخلق.. إنه الليل دائم الحضور، ذو المعاني الكثيرة التي يراها كل إنسان بشكل خاص جداً... فمن الناس من يعتبره من مظاهر الإعجاز في خلق الكون، وآخرون يعتبرونه ذلك الوقور الذي يخيم على العالم فيأمر الكائنات بكل تنوعها وعنفوانها وحتى في ضعفها أن تهدأ، ويغمض لها جفن.
بين إغماضة الجفن واليقظة.. رحلة ليلية في اللاشعور يعرفها المفسرون المحدثون في علم النفس ب«الأحلام»، وهي متنوعة منها الرؤى ومنها أضغاث الأحلام، ومنها مخزون النفس وأمنيات الوجدان.. جميعها يحتضنها الليل المسيطر على الكائنات بما فيها الإنسان، فيخلد مستسلماً لصاحب الستار الأسود المخملي، بعد ان كان يدب في كل مكان بالخير والشر والعمل والإبداع والخشوع والصلوات.والليل مرتبط بشخصيات الإنسان، فمنها ما توصف بأنها ليلية المزاج مبدعة وقت السكون والهدوء، ومنها من يهاب الأسود المسيطر، ومنها من يحلم بصبح جديد مثلما قال جبران خليل جبران:«من يترقب الصباح متجلداً.. يعانقه الصباح مشتاقاً» «هو ذا موكب الصباح يا قلبي.. فهل أبقى سكون الليل في أعماقك أغنية الصباح».
ومن منظور الفلسفة الإسلامية، فإن الليل هو واحد من نعم الخالق سبحانه وتعالى على عباده، ومن أهم هذه النعم ان كل أجهزة الجسم وأعضائه تعمل بنصف كفاءتها التي تعمل بها بالنهار، وذلك ما يحفظ لها تجددها الدائم وتحصينها من الأمراض وتقوية المناعة.. فالليل سكن وسكينة يحتاجها الإنسان خاصة الجامح الذي لا يهدأ فيأمره الليل برسالة من الخالق أن يبدأ رحلة الهدوء الذي فرضتها عليه فلسفة تركيبة الكون ذاتها.ولعبادة الليل فلسفة عميقة في الإسلام ولها خصوصيتها التي خص الله سبحانه وتعالى بها عباده المؤمنين، ففي الليل تهدأ الكائنات ويطول الصمت، فقيام الليل هو دأب المصلحين وعمل الفائزين.
فالمؤمن يخلو بربه يستغفر طامعاً في العفو، ومستجدياً الرزق في الصحة والمال والبنين ويطلب الجنة في خشوع العبد الفقير إلى الله، فيكون له كل ما طلب «فيقول الحق: أدعوني أستجب لكم.. والاستجابة هنا مشروطة بقيام الليل في خشوع ونفس راضية وقلب نقي وروح طاهرة.ويقول الحسن البصري «لم أجد شيئاً من العبادة أشد من الصلاة في جوف الليل»، وهذا صحيح، فالإنسان يقاوم النوم ويمثل بين يدي خالقه يصلي ويرتل القرآن ويدعو بالخير.وقال سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» رواه مسلم.ولليل خصوصيته في الإسلام، وكأن الله كرم هذه المساحة من الزمن ـ الليل ـ بوضع سورة بأكملها في كتابه العزيز الحكيم ـ القرآن الكريم ـ بإسم الليل وهي «سورة الليل» وعدد آياتها 21 آية.. «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى».
ولأن لليل حضوره المهيب الصامت في كبرياء وخشوع له كل الأثر على المبدعين من شعراء وفنانين، وقد اشتهر شعراء الجاهلية بوصف الليل، لأن طبيعة وجودهم في صحراء ممتدة بلا انتهاء يسترها الليل داكن السواد، كان لهم في وصفه باع طويل، جميل به حوارات فيما بين الليل والكائنات فكانت كلماتهم بها التضاد المعروف عن شعراء الجاهلية، تكلموا عن «صفرة الرمال وزرقة السماء ودكانة الليل: وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلى..
هكذا وصف امرؤ القيس الليل في معلقته، وصفه بالاتساع والتجدد والرحابة كموج البحر وكان وصفا حاداً على عكس الكثيرين من الشعراء الرومانسيين في وصف الليل من أمثال «شيللى» و«كيتس» وبيرون ومن هم على شاكلتهم من الشعراء الانجليز الرومانسيين، وغالباً ما جاء وصف الحبيبة لديهم بجماليات الليل.
وماذا عن الليل في السينما العربية والعالمية؟ وماذا عنه أيضاً في الفن التشكيلي والغناء والموسيقى..
إن ذلك الملهم الصامت في كبرياء والباعث برسائل إلهام لا يستشعرها سوى كل من له حس مرهف ووجدان شفاف وقلب من ذهب، ففلسفة الصمت والسكون ترتقي بالإنسان إلى حد الشفافية «فإذا كان الكلام من الفضة، فالسكوت من ذهب»! ولكنه لابد وأن يكون نوعية خاصة جداً من السكوت والسكون الإيجابيين لتحريك ملكة التأمل والخروج منها بنتائج ترضي الضمير الإنساني وتشعل حواسه نحو الإدراك الشامل الكلي.
ويرتبط الإبداع الفني عند العديد من الفنانين التشكيليين العرب بالتركيز على ملامح من الليل بحضوره المميز، والمؤثر في النفوس، ويزيد من أهمية هذا البعد أن الكثير من النقاد والدارسين للفن التشكيلي العربي يضعون «آدم حنين» على قدم المساواة مع مبدعين كبار من طراز المعماري حسين فتحي، وصاحب التجربة الإبداعية التطبيقية «رمسيس ويصا» ومنظر الجغرافيا الثقافية دكتور جمال حمدان.
في لوحات «آدم حنين» وتماثيله نشعر على الدوام مع فهمه الواضح لطبيعة مفتوحة ترمقها عين مركزة لا تتحول عن تلال رملية حارقة، ولا تغيب عنها سماوات ليلية مرصعة بالنجوم في صحراء ممتدة بلا انتهاء، وثمة آذان تصغي لصمت لا يعرف الانقطاع وإنسياب الماء من قنوات الري التي تشكل العروق في كيان حي مفعم بالنبض والألم في آن واحد.
وهذا الليل الوقور والدائم الحضور، والذي يبدو لنا في أعمال عديدة «لحنين» من نوعية لوحة «طبيعة ليلية» التي يرجع تاريخها لعام 1984 والمنفذة بالأصباغ على ورق البردي، وأيضاً لوحته «الجرانيت الأخضر» التي نفذها في العام نفسه والمنفذة بالتكنيك ذاته، وأيضاً لوحته «قرص الشمس» المنفذة بالبرونز الأسود عام 1980 ـ 1983.
هذا الليل تتردد أصداؤه في العديد من تماثيل «آدم حنين» التي تتميز أسطحها بالحساسية الشديدة لمؤثرات الضوء الذي ينعكس على سطحها الأملس حتى لتبدو لنا كائنات ليلية، يدب فيها الجمال والحس المرهف في أحضان الليل.
وللموسيقى باع رقيق مع الليل، فهي الملهم وراء كل همسة كمان، ونغمة ناي في ريف يستلهم الليل قبل الصباح، فالمقطوعة الليلية التي تعرف بالانجليزية تقليدياً باسم nocturne «نوكتورن» تعلو فيها نغمة الرومانسية المحلقة بلا حدود في ليل ممتد تتسم بالتحرر من حيث القالب الموسيقي الذي تصاغ فيه، وهي تتميز بالطابع التأملي العميق والرقيق معاً.
وقد كتب «جون فيلد» المقطوعات الأولى المنتمية إلى هذه النوعية من الأعمال الموسيقية، وهي المقطوعات التي تأثر بها الموسيقار العالمي «شوبان» في كتابته لمقطوعاته الليلية التسع عشرة التي كتبها للبيانو.
وهناك موسيقيون كثيرون كتبوا مقطوعات ليلية، من أهمهم «جابرييل فوريه» و»فرانسيس بولين» للبيانو، و«ديبوسي» الذي كتب مقطوعات ليلية للأوركسترا، وسار على نهجهم الموسيقار «بيلا بارتوك».
وهنا لا يمكن ان نغفل أغنية السيدة فيروز «سكن الليل» التي اتخذ منها الإعلامي الكبير محمود سعد مقدمة لبرنامجه الرائع «الناس والليل» الذي حاورهم فيه حول مفهوم الليل واستشعار كل ضيوفه بهذه المساحة الزمنية التي تسدل ستارها الأسود المخملي على الكون، مزدانة بنجوم ماسية القاع وقمر يداعب العشاق في خيلاء.
... وديع الصافي أطربنا بواحدة من أجمل أغانيه حول الليل «الليل يا ليلى يعاتبني.. يقول لي إسأل على ليلى» حوار رائع في العشق والهوى فيما بين الليل والعاشق الليلي.
أما كوكب الشرق، هامت والليل والناس معها عندما غنت «هذه ليلتي»، فكانت أسطورة من الصوت والموسيقى والليل والناس.. بحق كانت «حلم حياتي» حسبما قالت أم كلثوم.
وماذا عن مواويل المطرب الشعبي محمد العزبي؟ ملأ الليل مواويله وكأنه يشكو له من زمانه وأيامه، والليل يصغي والناس معه.
وللأفلام مع الليل حكايات أيضاً... العالمي نجيب محفوظ نقلت السينما المصرية عن روايته «قلب الليل» فيلماً بالاسم ذاته للمخرج عاطف الطيب وسيناريو محسن زايد، ومن بطولة نور الشريف وهالة صدقي، فالرواية تتعرض لمنطقة رمادية يعلوها الضباب، والتي تمثل بعداً من أهم أبعاد رؤية وإحساس نجيب محفوظ للحياة، كما إنها تعالج قضية فلسفية مهمة وهي فكرة «الحرية والاختيار».
ليل المتاحف
الليل هو التعرف على ما هو مجهول وإضافة الإثارة وروح المغامرة لأية رحلة، ومن المعروف أن الآثار والتحف الفنية هي قلب الليل والإثارة وسفر المخيلة. رحلات ليلية اقترحتها أوروبا ليقوم الزوار برحلات الاستطلاع الليلية في المدن والقصور والمتاحف. هذا الليل، الظاهرة الساحرة بل ألأكثر سحراً عادة ما يكون مغلفاً بهالة من الغموض يثير الذاكرة والروح القديمة للأساطير. هناك نحو 41 بلداً أوروبياً يفتح أبواب متاحفه للزوار وعشاق الليل، ويستثني منهم رسوم الدخول في ما يقرب من 2200 مؤسسة ثقافية.
وليل المتاحف جذب نحو 5,1 مليار شخص فضلوا التمتع بالنظر إلى الآثار على النوم. وهي فرصة أمام هذه الدول لكي تعيد النظر في ماضيها وذكرياتها وأفراحها وأتراحها في آن. بل هي تريد من ذلك أن يستذكر الناس ما عاشوه في الماضي وما خلته ذاكرتهم. إنها مبادرة جديدة تريد أن تعطي لليل معناه وتقيم حواراً مع الفنون والموسيقى والرقص.
بناء وتعمير
«الليل» فيلم عرض على هامش مهرجان الفيلم الفرنسي العربي بحمص والمركز الثقافي بدمشق للمخرج السوري محمد ملص، والفيلم من الأفلام السياسية التي تتعرض لمحاولات إعادة بناء وتعمير بعد هجمات الإسرائيليين وتدميرها، ويعكس المخرج قصص الاجتياح والمقاومة، والبعد الإنساني لأبناء الشعب المناضل شعب فلسطين، فهي بالتحديد حكاية مدينة تحاول النهوض من تحت الدمار.
منى مدكور