«الرهان العالمي: البلدان الصاعدة» كتاب يشرف عليه الباحث كريستوف جافرلو، أستاذ العلوم السياسية بباريس، ويساهم فيه عدد كبير من الباحثين الذين يحاولون رسم لوحة شاملة «بانورامية» لما يسمى بـ«البلدان الصاعدة». وذلك عبر أربعة أقسام تتوزع بينها مواد هذا الكتاب تبعا للمسار التطوري الذي عرفته البلدان المعنية.

يخص القسم الأول المرحلة الأولى «الجنينية» من ظاهرة «الصعود»، وذلك تحت عنوان عريض هو: «شجرة نسب فئة»، وحيث تتم محاولة الإجابة على سؤال: كيف يمكن اعتبار بلد ما أنه صاعد؟ هذا قبل الخوض في «أشكال الرأسمالية في البلدان الصاعدة». والقسم الثاني يحمل عنوان: «صعود متنوع من منطقة إلى أخرى» حيث يتم البحث في مختلف «مسارات» الصعود وفي الديناميات الإقليمية.

ويبحث القسم الثالث في «المعطيات العالمية الجديدة» من زاوية التركيز على ظاهرة «تراجع» الاقتصادات الغربية ووجودها في مواقع «دفاعية» بينما هناك ملامح تعزز دور إفريقيا وأميركا اللاتينية كـ«قوى صاعدة جديدة».

وهذا كله سيؤدي بالضرورة إلى خلق «ميزان قوى» لم يكن معروفا من قبل. و«آفاق المستقبل» هو عنوان القسم الأخير الذي يبدأ بمحاولة الإجابة على السؤال التالي: هل الأسواق الصاعدة هي بمنجاة من الأزمات المالية؟ وتختتم بحوث هذا الكتاب بدراسة حول «العولمة وأشكال عدم المساواة في البلدان الصاعدة»، وتتم هنا بالتحديد دراسة حالتي الصين والهند.

الملاحظة الجوهرية التي يتفق حولها الجميع تقول أن البلدان الصاعدة تثير قدرا كبيرا من الاهتمام ومن القلق بنفس الوقت في سياق عولمة الاقتصاد. مع ذلك ليس معلوما بدقة قدرة هذه البلدان على أن تفرض بعض «قوانين اللعبة» على القوى الكبرى التقليدية، خاصة الولايات المتحدة والقارة الأوروبية القديمة. الخطوة الأولى المطلوبة، كما يحددها المساهمون في هذا الكتاب، هي صياغة معايير دقيقة لـ«الصعود». وليس تحديد معايير فقط ولكن أيضا «فهم» هذه المعايير.

ومن خلال القيام بعملية مقارنة و«تبيين الخصوصيات» بين تجارب عدد من البلدان الصاعدة في مقدمتها الصين والهند وروسيا والبرازيل والمكسيك يحاول المساهمون التأكيد على «تنوّع صيغ الصعود».

لكن ومهما اختلفت هذه الصيغ أو تباينت فإنها تصب بمجملها في النهاية في تثبيت حقيقة وجود «معطيات دولية جديدة». هذه المعطيات سيكون منها بالتالي دور هام في إعادة تعريف التوازن العالمي تبعا للإستراتيجيات التي سوف تتبناها الدول المعنية في تحديد آليات الاقتصاد العالمي.

وخاصة في بعض المؤسسات الدولية التي ليس أقلها شأنا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمنظمة العالمية للتجارة. يتم التأكيد في هذا السياق أيضا على أن المعطيات الدولية الجديدة، ذات الطابع الاقتصادي أساسا، لا بد وأن يكون لها نتائجها السياسية خاصة فيما يتعلق بمستقبل ودور منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

إن تعبير «الدول الصاعدة» قد يكون جديدا، لكن الظاهرة التي يدل عليها ليست راهنة تماما. هذا ما تدل عليه تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية وبعدها «صعود» ما عُرف بـ «النمور الآسيوية» خلال سنوات الستينات والسبعينات.

وتشير التحليلات المقدّمة إلى أن معايير «الصعود» التي كانت البنوك هي التي «دشنتها» من أجل تحديد البلدان التي يمكن الاستثمار فيها دون مخاطر كبيرة من أجل التسديد. لكن مثل هذه المعايير عنت من وجهة نظر أخرى ضرورة أن تمتلك البلدان «الصاعدة» درجة من النهوض الاقتصادي ومن التصنيع «السريع».

ورأى آخرون أن السياق السياسي له دوره أيضا في منظور تعزيز «الصعود»، ذلك خاصة من زاوية قدرة الأنظمة المعنية على تحديد ممارسات الفساد في آليات عمل المؤسسات العامة والاقتصادية.

وبصورة عامة، ومهما اختلفت المعايير المأخوذ فيها لتحديد الصعود، يتفق الجميع على وصف بلدان مثل الصين والهند والبرازيل، وبدرجة أقل المكسيك وتركيا على أنها بلدان صاعدة. هذا مع ملاحظة أن الاقتصاد المكسيكي يتأثر كثيرا بالاقتصاد الأميركي وأن صعود تركيا مرهون إلى حد كبير بأوروبا.

ورغم أن توصيف «البلد الصاعد» يطلقه كُثر على روسيا، فإن أكثر من مساهم في هذا الكتاب يشير إلى «الوضعية الاستثنائية» لهذه البلاد. ذلك أن الأمر يتعلق خاصة بـ«الصعود من جديد» على خلفية إرث الاتحاد السوفييتي، الدولة العظمى السابقة.

ويتساءل البعض في هذا الإطار عما إذا كان ضم جنوب إفريقيا إلى قائمة البلدان الصاعدة لا يأتي كنتيجة لمستلزم وجود دولة إفريقية في عداد مجموعة البلدان الصاعدة مع ذلك يتفق الجميع أن جنوب إفريقيا تشكل «محرّكا اقتصاديا» حقيقيا على المستوى الإقليمي، ولكن مستواها يبقى أدنى بكثير من الصين أو الهند أو البرازيل.

وبالإضافة إلى التحليلات المقدّمة حول «الرهان العالمي» الذي تمثله البلدان الصاعدة يضم هذا الكتاب من المعلومات والإحصائيات حول رهانات قد تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل الدول الصاعدة وفي مقدمتها رهان التربية. وهناك جداول تبين التزايد الكبير في عدد حاملي شهادة الدكتوراه في الصين وعدد المهندسين في الهند. كتاب يلقي الضوء على البلدان الصاعدة ودورها المتعاظم على المسرح الدولي... ومنظورات مستقبل صعودها.

المؤلف في سطور

يعمل كريستوف جافرلو، المشرف على إنجاز هذا الكتاب، مديرا لمركز الدراسات والبحوث الدولية بميدان العلوم السياسية بباريس. ويساهم في هذا العمل مجموعة من الأخصائيين الذين يحاول كل منهم إلقاء الضوء على الرهانات العالمية المعاصرة الكبرى.

...وصعوبات أيضا

يؤكد عدد من المساهمين في هذا الكتاب خاصة في القسم الأخير المكرّس لـ«منظورات المستقبل»، أن البلدان الصاعدة قد تواجه العديد من الصعوبات أمامها. وسوف يكون للأزمة المالية العالمية القائمة آثارها القريبة والبعيدة. ثم هناك المشاكل التي تطرحها مسائل البيئة أمام مسيرات التنمية في البلدان المعنية. كذلك تتم الإشارة من أكثر من مساهم وبأكثر من صيغة أنه ينبغي عدم التقليل من آثار أشكال اللامساواة الاجتماعية على مستقبل البلدان الصاعدة.

الرهان العالمي: البلدان الصاعدة

تأليف: كريستوف جافرلو

الناشر: مركز العلوم السياسية (سيانس بو) - باريس- 2009

الصفحات: 380 صفحة من القطع المتوسط