«المتمردون» الذين يقصدهم عنوان هذا الكتاب هم خمسة أشخاص غابوا جميعهم عن عالمنا وكانوا ينتمون جميعهم إلى عالم الأدب والفن. ويصفهم المؤلف «اريك نوهوف»، الكاتب الذي يحظى بإعجاب الكثيرين، بـ «المتمردين» على خلفية تعريفه لهم أنهم «رفضوا باستمرار السكن في ضاحية الحياة».

إنه يستخدم تعبير «ضاحية» بالمعنى المكاني والذي يدل في السياق الاجتماعي الفرنسي الحالي على جموع الشباب من أصول الهجرة الذين يعيشون في ضواحي المدن ويعانون من «التهميش».

أسماء هؤلاء الأشخاص قد لا تكون ذات دلالة خاصة بالنسبة للقراء غير الملمّين بالسياق الأدبي الفرنسي. ولكن ما يكتبه المؤلف عنهم يتجاوز تماماً «محليتهم» كي يصبّ في ذلك الأدب ذي الأبعاد الكونية «اليونيفرسال». إنهم موريس رونيه، الممثل السينمائي الذي قام بالعديد من الأدوار في أفلام بينها «المسبح»، مع آلان ديلون ورومي شنايدر، وكاتب السيناريو «بول جيغوف»، صاحب فكرة العمل السينمائي الشهير «حفلة عشاء الحمقى».

والروائي «باسكال جاردان»، والد الروائي الفرنسي المعاصر الشهير الكسندر جاردان، والكاتب دومينيك دو روو، ثم أخيراً جان بيير راسام، الروائي هو الآخر، والمنتج السينمائي الشهير فرنسياً وعالمياً خلال سنوات السبعينات المنصرمة.

إن المؤلف يقدم أبطاله بالقول: «إنهم خمسة. لقد رحلوا جميعهم واختفى برحيلهم فنٌ في طريقة العيش، وهي طريقة عيش فرنسية محضة. وهم باختصار لا يدخلون القوالب الاجتماعية الشائعة (...). لقد كانوا عشاقاً للحياة. ساحرون ومتفرّدون وانفعاليون، باختصار يصلحون تماماً كي يكونوا شخصيات في أعمال روائية.

ولا شك أنه ربما ما كان باستطاعتهم العيش في مجتمع اليوم. الحقبة لا تؤاتيهم، وما كان لها بالتأكيد أن تروق لهم».ومن خلال توصيف طريقة عيش أولئك «المتمردين» يصيغ اريك نوهوف شتى أشكال النقد لطريقة العيش اليوم حيث دخل كل شيء في القوالب والحسابات وحيث غدا البشر مجرّد أرقام في حسابات الربح والخسارة. ذلك أن الحقبة «لا تحب من يحبون الحياة» ولا يروقها «أصحاب الأمزجة المتمردة حيال مبدأ الحيطة والحذر أو حيال مخططات السيرة المهنية».

هؤلاء «المتمردون» الذين يرسم اريك نوهوف صورتهم كانوا قد «أحرقوا» أيامهم بالبحث عما يمكنه أن يجلب السعادة إلى قلوبهم. ومن يقرأ سيرة حياتهم، كما يكتبها صاحب هذا الكتاب، يتولاه الإحساس أنه «يخترع» هذه السيرة. ذلك أنه لا يبحث في الأراشيف والمكتبات عن تفاصيل حياتهم ودقائقها، ولكنه قام بالأحرى بزيارة الأماكن التي كانوا يترددون عليها وشاهد الأفلام التي شاركوا فيها أو الأعمال الروائية أو الفنية التي أنجزوها، ثم يصف عالمهم.

وهو لا يبدو «حيادياً» كما تتطلب كتابة السير، ولكن سيرة حياة الكاتب تختلط بسيرة حياة أولئك الذين يكتب عنهم. بل إنه ذهب أبعد من ذلك إذ دعا بعض أولئك الذين عرفوهم من رجال ونساء للذهاب إلى «مقهى الفوكيت» التي كانوا كلهم من روادها في جادّة الشانزليزيه الشهيرة.

كانوا خمسة، ولكنهم استطاعوا أن يملأوا باريس كلها صخباً بطريقة حياتهم. وكان القاسم المشترك بينهم هو أنهم كانوا يعيشون نفس النمط من الحياة، وهو بالتحديد غياب أي نمط. كذلك كان يجمع بينهم الإبداع كل في ميدانه. لكن لم تكن الشهرة تهمهم، ولم يكن موريس رونيه، الممثل أساساً وإنما المتعدد المواهب يولي أهمية كبيرة لكون أن متحف الفن الحديث في ريو دي جانيرو يعرض أحد لوحاته. بل لم يكن معروفاً عنه أنه رسام إلا من قبل القلة القليلة ممن كانوا يحيطون به بحكم العيش المشترك.

وكان يجمع بينهم أيضاً حبهم للمغامرة والبحث عنها، ولو كان ذلك في أدغال إفريقيا كما فعل الكاتب دومينيك دو رور، الذي كان يحلم باستمرار في الجمع بين أفكار شارل ديغول وماوتسي تونغ. هكذا أمضى فترة من الزمن مع الثوار في انغولا. لم يكن ذلك بدافع أي موقف ايديولوجي، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، ولكن بحثاً عن المغامرة من أجل المغامرة، أكان ذلك في الغابات الإفريقية أو في شوارع باريس. ويقدمه المؤلف على أنه كان «الأكثر ثقافة» بين الخمسة.

ويجمع كذلك بين أولئك الخمسة أنهم كانوا بالأحرى قريبين سياسياً من معسكر اليمين. ولكن دائماً على طريقتهم، أي بعيداً عن البحث عن أي منصب أو امتياز وبعيداً عن جميع حسابات محترفي العمل السياسي. وما يجمع بينهم كان أيضاً، كما يقول المؤلف، هو احتفاظهم طيلة حياتهم بـ «فرح الطفولة وشغبها». هكذا كانوا «يهربون» من تقمّص تلك الأوضاع التي يأخذها «البالغون».

وكان «وقع النصائح مثيراً للضيق لديهم». وبالمقابل لم يكونوا «متطرفين» سوى بما يمكن أن يدمّر صحتهم، وأيضاً كانوا «متطرفين» في حرصهم على عدم جلب الأذى لأحد. وفي المحصلة يرى المؤلف أنهم كانوا ينتمون إلى «عالم آخر» غير عالم العلاقات السائدة بين البشر في المجتمع الحالي. بل ويتولّى أولئك الذين يقرأون هذا الكتاب إحساس عميق أن المعنيين الخمسة كانوا قد اختاروا، بكل وعي، التمرّد على مجتمع رفضوا قواعده. وبما يشبه البحث عن «الانتحار» عبر «التطرف» في كل شيء.

ويقول المؤلف في إحدى الجمل الأخيرة من الكتاب: «لم يلجأ أحد منهم إلى قتل نفسه. إنهم رحلوا بكل بساطة في الوقت المناسب، وقبل وصول مجتمعنا بما فيه من قواعد ربما ما كان لهم أن يتحملوها ربع ثانية».الملفت للانتباه هو القدر الكبير من المديح الذي أفاض فيه النقاد حول هذا الكتاب ورأوا فيه «ملحمة من الحنين» إلى «حكمة الجنون».

الكتاب: المتمردون

تأليف: اريك نوهوف

الناشر: فايار باريس 2009

الصفحات: 170 صفحة

القطع: المتوس