شكّلت سيرة حياة ابراهام لنكولن، الرئيس الأكثر شهرة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية موضوع سلسلة طويلة من الكتب التي نقّب أصحابها بكل صغيرة وكبيرة في مسيرته. وبالتالي هل هناك حاجة بالفعل لسيرة حياة جديدة له؟ على هذا السؤال تجيب المؤرخة دوريس كيرنس غودوين في كتاب جديد تحت عنوان «فريق من المنافسين».
الجانب الأساسي الذي تركز عليه المؤلفة اهتمامها في هذا الكتاب الذي يزيد عدد صفحاته عن الـ 900 صفحة هو بالتحديد «العبقرية السياسية لابراهام لنكولن». ذلك ليس فقط من خلال المواقف التي اتخذها حيال الحرب الأهلية التي كادت تعصف بالولايات المتحدة خلال السنوات الأولى من عقد الستينات في القرن التاسع عشر.
ولكن أيضا وخاصة من خلال الفريق الذي اختاره كي يكون إلى جانبه في إدارة البلاد وخاصة أربعة كانوا في الأصل من منافسيه للفوز بترشيح الحزب الجمهوري لهم لخوض الانتخابات الرئاسية عام 1860، وهم «ادوين ستانتون» و«سالمون تشيز» و«وليام سيوارد» و«ادوارد بيتس».
هؤلاء الساسة الذين كانوا من الخصوم الكبار لابراهام لنكولن في داخل معسكره الجمهوري، بل وكانوا يرون به رجلا «قليل الخبرة» وقادما من منطقة «متخلفة» من العمق الأميركي، هذا فضلا عن أنه ليس سليل عائلات أميركية عريقة بل هو ينتمي إلى أصول متواضعة جدا. وبالنتيجة كانت صدمة أولئك الساسة المرموقين، كبيرة عندما فاز لنكولن بترشيح الحزب الجمهوري له، ثم كانت أكبر عندما فاز بالانتخابات الرئاسية.
وما تؤكده المؤلفة هو أن الأمر لم يكن مجرد إحساسهم بالصدمة، ولكن أيضا ب«الإهانة» من الهزيمة النكراء التي لحقت بهم في مواجهة ذلك المحامي المغمور من ولاية الينوا.إن «عبقرية» ابراهام لنكولن السياسية لم تكن في نجاحه بإقناع أولئك الساسة بالعمل في فريق إدارته وتولّي مسؤوليات سياسية وحكومية عالية فحسب.
ولكن نجاحه أيضا في نيل إعجابهم وتقديرهم. فكيف استطاع لنكولن أن يحقق ذلك وحوّل منافسين إلى حلفاء حقيقيين، وكيف استطاع أن يهدئ من غضبهم ضده وأن يواجه معهم وبهم تحديات كبيرة؟ الإجابة على مثل هذا السؤال تشكل الموضوع الأساسي لهذا الكتاب.
وتتمثل الميزة الأولى الكبرى التي تمتع فيها ابراهام لنكولن، كما تقدمه المؤلفة، في «امتلاكه الحكمة والثقة بالنفس» واستخدامها في الحوار مع أولئك الذين رأى أنهم مؤهلون للسير بالبلاد إلى طريق النجاة في فترة كانت ربما الأخطر في تاريخها كله، أي فترة الزوابع التي رافقت حرب «الانفصال» بين الشمال والجنوب.
وتشرح المؤلفة بإسهاب الأسباب العميقة التي جعلت «طريق لنكولن إلى النجاح أطول وأكثر وعورة» من بقية رؤساء الولايات المتحدة الآخرين. كذلك تشرح الأسباب التي جعلته بنفس الوقت هو «رجل المرحلة الذي كان أفضل من يمكنه الإجابة على نداءات البلاد». وهي تؤكد في الحالتين أن لنكولن كان ذا حظ كبير بوجود رجال «لا تقدّر قيمتهم بثمن» بالنسبة إليه، ذلك أنهم لعبوا دورا فريدا ورئيسيا في المحافظة على وحدة البلاد.
كان «ادوين م. ستانتون»، قد تعامل بازدراء كبير حيال لنكولن عندما التقى فيه لمرة الأولى بإطار قضية كانت تنظر فيها المحاكم عام 1855. لكن رغم ذلك السلوك الشائن الذي تصرّف فيه، لم يتردد لنكولن أن يقدم له بعد الحرب الأهلية منصب وزير الحربية بعد ذلك اللقاء «العاصف» بست سنوات.
كان الرئيس قد رأى في «ستاتون» الشخص المطلوب من أجل «تجديد» وزارة الحرب. وكان لنكولن قد أظهر عبر ذلك الاختيار قدرته الفريد في تجاوز كل مشاعر الثأر أو الإحساس بالمهانة أو بالمرارة نتيجة لقائه الأول مع ستاتون.
أما «ستاتون»، ورغم ما كان قد أبداه من ازدراء لنكولن في لقائهما الأول وصولا إلى نعته بتوصيف «قرد طويل»، فإنه لم يكتف بقبول المنصب المعروض عليه، بل أن الأمور تطورت إلى حد أنه كان أبدى من الاحترام والمحبة للرئيس لنكولن أكثر من أي شخص آخر باستثناء عائلته المباشرة. وكان من أكثر الناس حزنا، كما بدا عليه لأسابيع طويلة، بعد موت الرئيس.
وكان «سالمون تشيز»، من اوهايو، عضوا في مجلس الشيوخ وحاكما للولاية ولعب دورا مركزيا في تشكيل البرلمان الجمهوري الوطني وعُرف بمواقفه حيال قضية السود. لقد بدا أنه مؤهل لتولّي منصب الرئاسة كنتيجة طبيعية لماضيه. لكنه رفض الممارسات المتبعة في تعيين المرشحين ولم يقم بأية حملة انتخابية بل ولم يعمل للمصالحة مع خصومه في ولاية اوهايو.
ولم يكن «تشيز» يخفي ازدراءه هو الآخر حيال ابراهام لنكولن. وصرح عند فوز هذا الأخير أنه قد «خسر الرئاسة لمصلحة شخص كان يعتبره تابعا له». وقد قبل أولا العمل معه في افق أن يتم ترشيحه في الانتخابات الرئاسية التالية (1864) من قبل الحزب الجمهوري. أما لنكولن فقد قبل ذلك مع إدراكه للعبة، لكنه أبدى قدرا كبيرا من الاستعلاء.
أما «وليام سيوارد» فقد كان سناتورا عن نيويورك لما يزيد عن عشر سنوات. وكان هو الآخر على قناعة أن الحزب الجمهوري سيرشحه لخوض الانتخابات الرئاسية عام 1860. بل وصاغ خطاب الوداع الذي سيلقيه عند الإعلان رسميا عن ترشيحه. لكن ذلك كله لم يمنعه من العمل في فريق لنكولن بعد فوزه، وأصبح صديقا مقرّبا منه، وأبدى تقديره الكبير للكفاءة «منقطعة النظير» التي أبداها الرئيس في الوصول إلى توازنات دقيقة داخل إدارته، كما على صعيد البلاد بصفة عامة.
وكان «ادوارد بيتس»، السياسي المخضرم، يحظى باحترام الجميع، ومسموع الكلمة حول القضايا الوطنية. انقطع عن العمل السياسي عام 1840 للتفرغ لشؤون أسرته، لكن عاد اسمه للتداول عام 1860 كمرشح للرئاسة.
وقرر الاعتزال مرة أخرى عند هزيمته أمام لنكولن، لكن قبل تولي منصب وزير العدل بناء على طلب الرئيس وبسبب «الأخطار» التي كانت البلاد تواجهها. ووصف لنكولن أنه «رئيس لا مثيل له» و«رجل كامل تقريبا».
الكتاب: فريق من المنافسين
تأليف: دوريس كيرنس غوردين
الناشر: سيمون وشستر نيويورك 2009
الصفحات: 928 صفحة
القطع: المتوسط
Team of rivals
Doris Kearns Goodwin
Simon and Schuster New York 2009
928P.