جرى الحديث كثيراً في العالم خلال العقود الأخيرة المنصرمة عن أجهزة الاستخبارات الأميركية، السي.آي.ايه ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وعن جهاز الكا.جي.بي السوفييتي الشهير.

فما هو موقع الأجهزة السرية الصينية على رقعة الشطرنج الاستخباراتية الدولية؟في هذا الكتاب «الأجهزة السرية الصينية» يحاول المؤلف أن يكشف النقاب عمّا توصل إليه بعد عملية استقصاء دقيقة وطويلة حول عالم الاستخبارات الصيني منذ عهد ماو تسي تونغ وحتى الألعاب الأولمبية التي جرت في صيف عام 2008. وهو يحاول بنفس الوقت أن يبيّن الآليات التي تحكم السياسة الخارجية الصينية.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين 13 فصلاً تبدأ بفصل عن «معركة شنغهاي» وتنتهي بـ «الصين تفوز بالميدالية الذهبية في التجسس»، كإشارة إلى الألعاب الأولمبية الأخيرة، ومروراً بفصول عن «أجهزة ماو السرية» و«جواسيس الثورة الثقافية» و«دينغ هيساو بينغ وعالم الاستخبارات» و«55 يوماً في تمرد تياننمان» و«الحرب الاقتصادية» و«جواسيس المكتب ضد السمكات الخمس»، الخ.

إن المؤلف يقوم بتحقيقاته وتقصياته في الصين وهونغ كونغ واليابان وأستراليا بحثاً عن وثائق غير معروفة مع التنقيب في مختلف الأراشيف وإجراء العديد من المقابلات مع خبراء الأجهزة السرية ومسؤولين سياسيين ودبلوماسيين. ويصل من خلال هذا كله إلى تفسير الكيفية التي انتهجتها «إمبراطورية الوسط»، أي الصين كي تبلغ مقام قوة دولية عظمى وذلك بالاعتماد على أجهزة سرية نشيطة في جميع الميادين. وذلك عبر الجمع بين «الفن الصيني العريق في العالم الاستخبارات» و«جهاز أمن الدولة الفعّال» و«التكنولوجيات الجديدة» وعلى رأسها شبكة الانترنت.

ويحاول المؤلف في هذا السياق الكشف عن الأساليب التي تتبعها الحكومة الصينية للتغلغل إلى المواقع الالكترونية للحكومات الأجنبية. وينتهي إلى تقديم ما توصل إليه فيما يخص الطرق التي جرى اتباعها لإحكام مراقبة الرياضيين والصحافيين أثناء الألعاب الأولمبية. وذلك بفضل مركز استخبارات مختص بلغت ميزانيته 3,1 مليار دولار أميركي.

ويشير المؤلف إلى أن جهاز «غوانبو» أي «أمن الدولة» هو بالتأكيد أقل شهرة من السي.آي.ايه والكا.جي.بي، لكن هل هو بصدد أن يصبح الجهاز الاستخباراتي الأكثر قوة في العالم؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه «روجيه فاليغو»، مؤلف هذا الكتاب قبل الشروع في عرض نتائج تقصياته. ثم يشرح «تدريجياً» الدور «المركزي» الذي لعبه الجهاز السري الصيني في الصعود القوي للصين.

ويعيد المؤلف تشكيل «الوحدات الأولى» التي كانت الصيغة الجنينية للأجهزة السرية الصينية إلى سنوات العشرينات من القرن الماضي، وهي نفس الفترة التي عرفت تشكّل الحزب الشيوعي الصيني.

وتطورت شبكة الأجهزة السرية الصينية فيما بعد على صعيدي الداخل والخارج. ويؤكد المؤلف فيما يخص العمل الاستخباراتي الصيني على الصعيد الخارجي أنه قد بدأ «ذا طابع سياسي» بحت. ولكنه تطوّر لاحقاً كي يشمل ميادين أخرى، في مقدمتها الاقتصاد. بالطبع كانت تايوان في مقدمة اهتمامات الصينيين في المراحل الأولى، خاصة أن الصين لم تتخلّ أبداً عن مشروع إعادة ضمها إلى «الوطن الأم»، حسب الآراء المقدمة. وكان دينغ هسياو بينغ، خليفة ماو القوي، قد فهم أن التجسس الصناعي لا يشكّل المهمة المركزية في عالم اليوم فحسب، ولكنه يمثل أيضاً رهاناً أساسياً بالنسبة لصعود الصين. وبالتالي ينبغي عليها أن تعتمد كثيراً على هذه «القوة الهادئة».

ويتعرّض المؤلف في هذا السياق إلى عدد من عمليات التجسس «الصيني» التي جرى كشفها ووجدت صدى كبيراً في وسائل الإعلام الغربية. وكان بعضها قد «استهدف» بعض الصناعات الغربية الحساسة وصولاً إلى «البنتاغون».

أما المهمة الأخيرة التي تجد اهتماماً كبيراً في هذا الكتاب فتتمثل في دور الأجهزة السرية الصينية في مراقبة الرياضيين والصحافيين وحركات مناهضة الألعاب الأولمبية داخل الصين وخارجها، ويتم التأكيد أن هذه الأجهزة كانت قد بدأت «تعبئتها» منذ سنوات «كي لا يعكّر أحد صفو هذا الحدث التاريخي الكبير» المتمثل في الألعاب الأولمبية ببكين خلال صيف 2008. وذلك بانتظار المعرض العالمي لشنغهاي عام 2010.

ويشير المؤلف إلى أن فرنسا وأستراليا تشكلان البلدين اللذين توليهما الأجهزة السرية الصينية اهتماماً خاصاً بسبب «سهولة التغلغل فيهما» وأيضاً البلدين الأكثر سهولة فيما يتعلق بإقناع «المؤسسات والبشر» بمشاريع «بريئة» المظهر وبقبول «الخطاب الصيني».

الكتاب: الأجهزة السرية الصينية، من ماو إلى الألعاب الأولمبية

تأليف: روجيه فاليغو

الناشر: نوفو موند باريس 2008

الصفحات: 606 صفحات

القطع: المتوسط

Les services secrets chinois de Mao aux JO

Roger Faligot

Nouveau Monde

Paris 2008

606.P