«باريس ـ نيويورك، رحلة في الفنون والصور» لمؤلفه مارك فومارولي، عضو الأكاديمية الفرنسية، هو كتاب ـ رحلة في الزمن وفي المكان، وذلك انطلاقا من «قاعدتين»، باريس ونيويورك. ونيويورك باعتبارها، كما يقدمها المؤلف، عاصمة الصور الحديثة والمعاصرة وباريس، مدينة النور، من حيث إنها عاصمة الفنون في «أوروبا القديمة»، أو «أوروبا العجوز»، كما يحب للبعض أن يدعونها وخاصة من بين الأميركيين.
إن مؤلف هذا الكتاب يقوم بنوع من «التحقيق التاريخي»، ولكن عبر «زمنين»، أحدهما «الزمن القصير نسبيا» الذي يشكل ممر الولايات المتحدة الأميركية والمسيرة التي عرفتها في ميدان «صناعة الصورة» وصولا إلى أرقى المراتب. و«الزمن الطويل» لفرنسا وأوروبا عامة في مجال «الفنون البصرية» وعلى امتداد ساحة تأثير شملت «الشرق الأوروبي» ممثلا في بيزنطة و«الغرب الأوروبي» ممثلا في أميركا اللاتينية. وكذلك على «المدى العميق» بالنسبة لهذه القارة الأوروبية الممتد من اليونان القديمة حتى الحصر الراهن.
وتمثل أوروبا في تحليلات المؤلف مرجعية لكل ما له علاقة بالفن الكلاسيكي بينما تجسد أميركا النموذج الأمثل «الحديث» للارتقاء بفن الصورة. ولا يتردد في القول إن هناك نوعا من الحرب بين الحداثة والعالم الكلاسيكي وما يمثله. ويؤكد بنفس الوقت أن إنجازات الحداثة يمكن أن تنضوي تحت خانة «ما هو عابر». هذا رغم وجود الكثير من الآثار والمنجزات الفنية والإبداعية الكبرى التي تركها فنانون حداثيون من مختلف المشارب والميادين.
وبنفس الوقت يتم التأكيد أن الحداثيين قد «خسروا المعركة» التي خاضوها من أجل تعزيز مواقع بعض المدارس والتيارات الحداثية التي استطاعت أن تشكل حيّزا هاما من ساحة النقاشات الفكرية والعامة لفترة من الزمن.
لكن هذه التيارات خبا بريقها في نهاياتها. ويقدم المؤلف في هذا الإطار عددا من النصوص التي كتبها حداثيون مشاهير في السنوات الأخيرة من حياتهم، بعد أن كان «حماسهم الثوري» قد خف. ومن أشهر الأمثلة التي يقدمها على ذلك نص لاندريه بروتون، مؤسس التيار السريالي في الفكر والأدب، والذي واجه حملة من الانتقادات بسبب إعلانه «الهزيمة»، بل ونعته البعض بالمرجعية. لكن مثل تلك النصوص كانت بمثابة «موجات أولى» في التحذير لما سمي لاحقا ب«ما بعد الحداثة».
ويرى المؤلف في شيوع «ثقافة الصورة» نوعا من «الانحراف» الذي عانى منه الفن تحت غطاء الأفكار والمقولات الحداثية التي أكّدت كثيرا على «الكم» بالقياس إلى «النوع».
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن مفهوم «ما بعد الحداثة» شكل قطيعة فعليا مع الحداثة نفسها. ويكفي للمرء أن يدرك ذلك عندما يستيقظ ويرى نفسه محاطا بهذا الكم الكبير من «الصور الدعائية». ويشير المؤلف أنه طرح في البداية على نفسه سؤالا جوهريا حول العلاقة بين الصور التي نراها في الشوارع وعلى شاشات التلفزة ولوحات الإعلانات وعلى كل ما يقع عليه النظر، وبين تلك التي يتم عرضها في المتاحف.
إن المقارنة بين فن الصورة «النيويوركي» والفن الأصيل «الباريسي» تأخذ في كتابة المؤلف نوعا من التوازي بين «الصور التي تُرمى بعد استهلاكها»، على شاكلة مختلف المنتوجات الأخرى المكرّسة للاستخدام المؤقت، وبين اللوحات المعروضة في المتاحف.
وفي مثل هذه الأجواء يغدو الفنانون المبدعون الذين خاضوا معركة الفن الحقيقية بكل حماس وتصميم ضد من لا يريدون القيام بأي تغيير بمثابة «أبطال». هذا رغم هزيمتهم أمام زحف «تصنيع الصور» وأمام ما يسمى بالفن المعاصر، هذا «الفن» الذي لا يبحث سوى عن الوصول إلى أهداف ذات «طابع استهلاكي»، ولا يخوض بالتالي أية معركة ضد أي كان أو ضد أي شيء.
ويشرح المؤلف بإسهاب واقع أن أميركا لم تفعل سوى أن «أخذت» ما وجدته أمامها من الحداثة الأوروبية. ذلك أنها ليست هي من اخترع الصورة أو السينما أو الصناعة كلها بالمعنى الأشمل. فهذه كلها كانت نتاجا مباشرا إلى هذه الدرجة أو تلك للثورة الصناعية الأوروبية التي ظهرت ملامحها الأولى اعتبارا من القرن السابع عشر. كل ما فعلته أميركا هو أنها طوّرت بكثير من الحماس ما وجدته من «حديث» في أوروبا ثم نشرته على نطاق واسع.
ويركز المؤلف على شرح المفارقة الكامنة في واقع أنه كلما امتلك البشر من قدر أكبر من التكنولوجيات المتقدمة يتقلّص هامش سيطرتهم على العالم وبنفس الوقت هامش حريتهم أيضا. ذلك أن «الحرية الفردية تجد نفسها محرومة من الشروط الأساسية المطلوبة لممارستها»، كما نقرأ. ومن خلال التقدم التكنولوجي الهائل يغدو البشر، إلى هذه الدرجة أو تلك، مجرد «أدوات» بيد «سلطة غير شخصية»، كانوا هم أنفسهم قد أرسوا قواعدها.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن أبناء المجتمعات الاستهلاكية المتقدمة اليوم، وفي مقدمتها المجتمع الأميركي، هم أقل سعادة من أبناء المجتمعات القديمة. هكذا مثلا كان للفلاحين دائما إحساس حيّ بموقع قراهم وحجم مزارعهم. لكن هذا لا يمنع واقع أن «الفن العظيم»، ومهما كان المجتمع الذي يحويه، هو ذو «طبيعة كونية». ولا أحد يستطيع مقاومة «موزارت». يقول المؤلف: «الجمال حق للجميع». ويرى أن مشكلة أميركا هي أنها «لا تمتلك في ذاكرتها مطلب الجمال».
الكتاب: باريس ـ نيويورك رحلة في الفنون والصور
تأليف: مارك فومارولي
الناشر: فايار باريس 2009
الصفحات: 600 صفحة
القطع : المتوسط
Paris-New York et le retour، voyage dans les arts et les images
Marc Fumaroli
Fayard - Paris - 2009
600.P