رجال ونساء لعبوا دورا بارزا ومؤثرا في التاريخ العربي القديم والحديث على السواء تكتب عنهم الصحفية المصرية سناء البيسي في كتابها الصادر أخير بعنوان (سيرة الحبايب.. 55 شخصية من قلب مصر)، تكتب عنهم بحب كبير انعكس على أسلوبها فجاء بسيطا وشفافا، كتبت عن الفنانين والفنانات جنبا إلى جنب مع شخصيات وطنية وتاريخية كبيرة ومؤثرة في تاريخ الأمة العربية كلها مثل الإمام على رضي الله عنه والسيدة خديجة رضوان الله عليها،وعبد الحليم محمود ومصطفي عبد الرازق سعد زغلول ومحمد التابعي، وثروت عكاشة وعبد الوهاب المسيري، وبديع خيري،وإسماعيل سراج الدين، ويوسف إدريس،.
وهؤلاء الفنانون الذين انتخبتهم للكتابة ليسو مجرد فنانين ولكنهم رواد يدين لهم الفن السينمائي والمسرحي والغنائي والرقص العربي بالتأسيس والبناء، تمتعوا بمواهب فريدة وفذة وبحب كبير للفن وحب أكبر لمصر والعروبة، الأمر الذي مكنهم من تحقيق رؤى كبرى شكلت الوجدان والعقل العربيين في مرحلة مهمة من تاريخنا المعاصر، هؤلاء أيضاً لعبوا دورا وطنيا سواء في مرحلة الاحتلال البريطاني كمنيرة المهدية وتحية كاريوكا وفاطمة رشدي، أو في فترات تالية بعد الثورة كأم كلثوم ومحمود شكوكو، وفي هذه السطور نركز على استعراض بعض مما كتبته البيسي عن هؤلاء الفنانين حياتهم وفنهم وأدوارهم الفنية والتاريخية.
أم كلثوم
كانت إيذانا بعصر جديد يعلن انتهاء زمن المطربة العالمة أو الأسطى الباشا التي تسطع في الأفراح والليالي الملاح وتخلط الغناء بالزغاريد بالنقطة، ولو كانت أم كلثوم مجرد صوت جميل يغني بأسلوب العصر الذي ظهر فيه ولا يزيد عليه شيئا ولا يغير فيه ولا يبدل لما كان لها أثر في الغناء العربي طوال حياتها ولما بقي لها أثر.
فاطمة رشدي
فاطمة رشدي سارة برنارد الشرق النجمة العظيمة الرائدة التي صالت وجالت ونالت وأفلست قبل رحيلها، وتمنيت لها من قبل الرحيل رحيلا حتى لا أرى القمر في أفوله والأوج في السفح والمرايا شروخ، والجمال غضون.
والعجوز تطلي وجهها بالألوان تشبثا بالزمن الذي كان.. فاطمة رشدي: فاطمة خليل قدري كانت لها منزلة خاصة عندي فهي إلى جانب انبهاري بأدائها التمثيلي الفذ الفريد والدة للرسامة الشاعرية الرومانسية التي كانت توقع رسومها في مجلتي المصور والهلال في الخمسينيات والستينيات باسم عزيزة وكنت أدور حول رسوماتها بالمقص للاحتفاظ بها في البوم خاص أعيش فيه مع شخصيات التاريخ كما رسمتها ريشه عزيزة الفنانة الناعمة مثل أرمانوسة المصرية الرواية التي قام بتأليفها كدراما تاريخية جورجي زيدان لروايات الهلال.
كاريوكا
كاريوكا.. والأصل بدويه محمد على النيداني كريم من مواليد قرية المنزلة دقهلية وسجلت على انها من مواليد الإسماعيلية في يوم 22 فبراير,1919. خرجت إلى الحياة لتجد نفسها اختا لستة عشر شقيقا.. بعد وفاه الأب استغلها شقيقها احمد وامرأته المالطية للعمل في بيتهما كخادمة، وعندما حاولت الهرب قيدها بسلسلة من الحديد في رجل السرير، وذات ليله تسللت لحضور فرح صديقتها فكرية الذي غنت فيه المطربة السورية سعاد محاسن من تلحين داوود حسني أنا عندي ميعاد في الدهبية انفلتت بدويه ترقص بعفوية ومهارة أذهلت الجميع خاصة المطربة التي صفقت لها طويلا قائله: قديش كنت حلوه يا بدويه.
فريد الأطرش
فريد فهد فرحان سلطان الاطرش1910ـ 1974 فارس اللحن والنغم الذي قررت والدته وسط أجواء الخراب والحروب الفرار بأولادها إلى ارض الأمان، إلى مصر، إلى الثقافة والأدب والطرب، إلى سعد زغلول الذي تقرا عنه في الصحف انه شديد التعاطف مع ثوره سلطان باشا الأطرش الشبيهة بالثورة المصرية، فرت علياء من بيروت قبل ساعات من تحرك الفرنسيين للقبض عليها، واستقلت من يافا قطارا إلى مصر فلما سألها رجال الجوازات عن تأشيرة الدخول أجابت: سعد باشا يعرفنا قولوا له..
وأتي الإذن من سعد لتسكن مع أولادها في شقه متواضعة في باب البحر عام,,1923.ويحق لفريد الأطرش أن يحمل لقب مطرب العروبة فهو الذي يحمل الجنسية السورية بحكم ميلاده بقرية القرية في جبل العرب بسوريا، واللبنانية بمواطنة والدته، والمصرية التي منحت له، وكان دائم القول لحم كتافي من مصر.
بالإضافة إلى الجنسية السودانية التي منحها له الرئيس جعفر النميري عام74، وظلت الوحدة العربية عقيدته وأمنيته أطلقها غناء في أوبريت غناء العرب ثم في بساط الريح عندما حلق به عبر أجواء العالم العربي من مشرقه إلى مغربه.
وتنقل بالنغم والإيقاع وكلمات بيرم التونسي ليغني لتونس غزلانك البيضاء، وفي المرسي وحلق الواد وهي أماكن تونسية لا يعرفها إلا التونسيون، ومن سوريا ولبنان بألحانهما الشعبية الشجية إلى بغداد حيث الموال يا دجلة أنا عطشان، ومن بغداد لمراكش بلاد الحور والغلة والزيتون إلى تونس الخضراء ليودي لهجتهما الغنائيتين، ومن قبل ومن بعد مصر، حيث يعاوده الحنين إلى وادي النيل.
الكونت دي مونت شكوكو
الظاهرة الفنية المتفجرة محمود شكوكو كانت موهبته الحقيقية أعظم من ثقافته، فهو لم يدرس مناهج معاهد الفنون، ولا دربت حنجرته مدام رطل، ولا سافر في بعثه للاحتكاك بحضارة الغرب ليعود حاملا لقب الزمالة والدكترة.. شكوكو في الكتابة عنه تقفز إلى الذاكرة عبارة قالها يوما الأديب الفرنسي الكبير اندريه موروا في باريس في قوله : ليس من الضروري أن يمنحنا الفن دائما شيئا، بل يكفيه أحيانا أن يسلبنا شيئا، وكان يعني بالشيء الذي يمكن ان يسلبنا الفن إياه هموم الحياة ومشاغلنا المضنية..
الكتاب: سيرة الحبايب 55 شخصية من قلب مصر
المؤلف: سناء البيسي
الناشر: دار الشروق الطبعة الأولي 2009
الصفحات: 570 صفحة
القطع: الكبير
محمد الحمامصي