كتاب «التسامح والعدوانية بين الإسلام والغرب» لمؤلفه صالح بن عبد الرحمن الحصين هو محاولة للإجابة على سؤال رئيسي يفرض نفسه وسط التطورات المعاصرة التي نحياها ويتمثل في: هل صحيح أن العدوانية صفة مميزة للثقافة الإسلامية وأن التسامح صفة مميزة للثقافة الغربية؟

فحسب المؤلف صالح بن عبد الرحمن الحصين فإن الكتّاب الغربيين والسياسيين والقائمين على وسائل الإعلام في الغرب يصرون على تثبيت صورة الإسلام على أنه ثقافة عدوانية تجعل من المسلمين مصدرا للعنف والإرهاب. ولإيضاح تصور الإسلام في قضية التسامح والعدوانية يشير المؤلف إلى أنه لم يكن هناك مفر من المقارنة بالثقافة المعاصرة وبالذات الثقافة الغربية، موضحا أنه حيث تجرى هذه المقارنة فلا بد من الفصل بين الإسلام كما هو في حقيقته وبين المسلمين على اختلاف عصورهم وأقطارهم، ليس ذلك فقط لأن الإسلام واحد وتصورات وسلوكيات المسلمين مختلفة متعددة بل لأنه لا أحد يدعي أن حياة المسلمين في الوقت الحاضر تجرى مطابقة للإسلام تصورا ومنهجا للحياة.

في تناوله لموضوعه يستعرض صالح بن عبد الرحمن جذور التسامح في الإسلام مشيرا إلى أنه لا يوجد كتاب دين أو تربية في أي ثقافة غير الإسلام يعطي مساحة للمعاني المذكورة حول التسامح مثلما أعطاها الإسلام.. فالتسامح بمعنى عدم العدوان قيمة مطلقة فريضة على كل مسلم إذ يعني ذلك العدل، والعدل مطلوب من كل واحد لكل أحد في كل حال.

ويشير المؤلف الى أن اليونسكو في تحديدها للتسامح حددته بشكل قريب من التصور الإسلامي، ولذلك فإن فكرة الإسلام عن التسامح كانت واضحة للمنصفين من مفكري الغرب مستشهدا في ذلك بما ذهبت إليه المستشرقة الإيطالية لاورا فيشيا فاجلييري من انه ليس من المبالغة التأكيد على أن الإسلام لم يكتف بالدعوة إلى التسامح الديني بل جعل ذلك جزءاً من قانونه الممارس دائماً.

وفي إطار استعراضه لقضية التسامح والعدوانية يشير المؤلف إلى أن سماحة الإسلام ويسره اقترنت بحكم ما تقتضيه طبيعة الأمور بسمته العامة الوسطية والاعتدال والبعد عن الغلو والتطرف والتشدد والإسراف ولذلك لم يكن غريباً أن يتكرر في القرآن الثناء على الوسطية والاعتدال والنعي على تجاوز الحد وما يتولد عنه من تعصب وبغي وعدوان وأن يتكرر ذلك في أكثر من ثمانين موضعا يعبر فيها عن تجاوز الحد والخروج عن الوسطية والاعتدال بألفاظ الغلو والإسراف والطغيان والاعتداء.

ويقرر المؤلف أن السر في أن التسامح طبع سلوك المسلمين بقدر التزامهم لمنهج الإسلام في كل العصور وفي كل الأقطار هو ما يفسر أن انحراف بعض المسلمين عن منهج الاعتدال والتوازن شكل أول إخفاق للمسلمين في تاريخ الإسلام وكان عاملاً مهماً في خلق ما واجهه المسلمون من مشاكل فيما بعد وعلى مدى الزمن.

ومن مؤشرات التسامح في الإسلام وفق ما يشير إليه المؤلف إلغاء الطبقية والتمييز العنصري، موضحا أن التاريخ يكشف في مختلف العصور ومختلف الأماكن عن وجود ظاهرتين في العالم الإسلامي وهما إلغاء الطبقية في المجتمع ومنح الأديان وأتباعها الحرية في الاعتقاد والعبادة والتمتع بالحقوق المدنية بصورة لا تمنحها أي دولة حديثة للأقليات الموجودة بها.

وقد انتبه عدد من كتاب الغرب لهذه القيمة الإنسانية من قيم الإسلام وأشادوا بها ومن ذلك ما ذهب إليه المستشرق البريطاني جيب من أن لدى الإسلام تقليدا رائعا من التعاون والتفاهم بين مختلف الأعراق ولا يوجد مجتمع آخر كالإسلام كان له مثل سجله في النجاح في أن يوجد المساواة في المركز الاجتماعي والفرص في العمل والنجاح بين مثل هذا العدد والتنوع من الأجناس البشرية.

ويعرج المؤلف كذلك على سمة قبول التعددية الثقافية حيث انه في الدول الحديثة تسود فكرة مبدأ السيادة ولذا فليس من الممكن أن تمنح الدولة الحديثة الأقليات فيها ما منحه الإسلام في عصوره المختلفة من حريات وحقوق للأقليات الخاضعة لسلطان المسلمين التي تعتنق أديانا وثقافات مخالفة وإن كان ذلك لا يعني القول ان مثل هذه الدول تعادي التعددية غير أن قبول الإسلام ديانة وتاريخا منح الأقليات الإثنية التي تكون تحت سلطانه تلك الحريات والحقوق إنما يعد دليلا منطقيا على طبيعة الإسلام في صلته بالتسامح أو التعصب ومدى قابليته للتعددية ومدى قدرته على التعايش مع الأفكار والثقافات المخالفة.

وحسب المؤلف فقد تمتعت الأقليات في ظل سلطان الإسلام بالحرية الكاملة في ممارسة دينها وعباداتها وفي استمرارها في استخدام لغتها وعاداتها وطرق تربية أبنائها كما بقيت لها الحرية في الاستقلال بقوانينها وقضائها واستثنيت من القانون الجنائي العام الإسلامي.وعلى صعيد العلاقات الدولية.

يذكر المؤلف أن المبدأ الذي يرتكز عليه منهج الحضارة الغربية في العلاقات الدولية لا يختلف عن المبدأ الذي يحكم سلوك قاطع الطريق أو عصابات الجريمة المنظمة بل سلوك الحيوانات في الغابة مؤكدا أن منهج الإسلام في العلاقات الدولية يختلف عن منهج الحضارة المعاصرة اختلافا كليا اذ يرفض الإسلام من البداية أن تبنى العلاقات الدولية على المصلحة الوطنية أو القوة ويفرض أن تبنى على العدل والقوة الإلزامية للاتفاقية في ضوء ما هو معروف أن الاتفاقات بين الدول هي المصدر الرئيسي للقانون الدولي.

مصطفى عبدالرازق

الكتاب: التسامح والعدوانية بين الإسلام والغرب

تأليف: صالح بن عبد الرحمن الحصين

الناشر : مؤسسة الوقف الرياض 2008

الصفحات: 240 صفحة

القطع: الكبير