عرف الفن المسرحي في الخليج من خلال ظواهر يقدرها الباحثون والدارسون ببذور بدايات انطلقت في أواخر الخمسينات، والمسرح ابن بيئته حتى ولو كان وافداً على الأرض العربية بشكله الإيطالي، فقد وجد كتاب المسرح في الخليج بيئة البحر ومهنة الغوص وأسلوب نظامها الاقتصادي الذي تمنطق روح الإقطاع ، بيئة درامية يتأجج فيها الصراع بشكل واضح.

كان سهلاً ان يلتقط كتاب المسرح في الخليج هذا الصراع من جوانب مختلفة، لكنهم سقطوا في النهاية في حفرة التكرار، بعدما صار خط الصراع في حياة الغواصين هو باتجاه الطبيعة المتمثلة في البحر ذي الأهوال الصعبة، والإقطاع الذي يمارس ضدهم من قبل الأسياد ملاك السفن وربابنتها «النواخذه» فقد درجت قصص المسرحيات على اعتبار المصدر الوحيد لعذابات هؤلاء الغواصين هو تسلط وتجبر ربانهم الذي يملك مصيرهم في عرض البحر، ومالك السفينة الذي يقصم ظهورهم بديون مقدمة الدفع.. فرحلة الغوص التي ستأخذ أكثر من 30 بحاراً ستمتد بهم في رحلة غياب عن الديار والأهل لأكثر من ثلاثة أشهر، وبالتالي ما يحدث هو ان هؤلاء البحارة يسعون لتأمين قوت عيالهم قبيل رحيلهم عن طريق الاستدانة، وفي العادة يقوم بدور الدائن، صاحب السفينة أو ربانها، ويصبح أجرهم الذي يفترض ان يحصلوا عليه عن عملهم على سطح سفينة الغوص في تلك الرحلة هو سداداً للدين.

فإذا ما جاء صيد اللؤلؤ وفيراً، فإنهم يستطيعون توفير بعض الربيات بعد سداد الدين، لكن ان جاءت التوقعات عكس ذلك ولم تفلح رحلة الغوص في تسديد الديون، فإن السداد يؤجل إلى الرحلة القادمة.. من هناك انطلقت العديد من الكتابات المسرحية عن زمن الغوص، فظهر النوخذة أو مالك السفينة وهو يضرب البحارة ويتحكم بقوت عيالهم، ولطالما لعب دور البطل السلبي، أو الشرير. فيما لعب الغواص دور الإنسان الايجابي الصادق والكادح والمظلوم، وتطورت الدراما المسرحية عند كتاب الخليج، فظهرت قصص مثل عشق النوخذه لابنة الغواص الجميلة وإجباره على تزويجها له، وان رفض فان سوط الجوع والحرمان من الرزق سيكون مصيره، ثم تطرقت الدراما إلى الصراع الدائم والذي ينشأ بين أرباب سفن الغوص أنفسهم كنتيجة للتنافس، وأظهرتهم الكثير من الكتابات المسرحية الخليجية على أنهم يتبارون في معركة السلطة وتبوؤ كرسي السيطرة، فنراهم في مسرحيات كثيرة يحيكون الدساس لبعضهم البعض، ويحرقون السفن أو يغرقونها..

احتلت شخصية النوخذة (ربان السفينة) مساحة كبيرة في الأعمال الدرامية المسرحية الخليجية، فقد أنتجت الفرق المسرحية الخليجية العديد من هذه المسرحيات في فترة السبعينات من القرن بالرغم من الغوص على اللؤلؤ قد انتهى واندثر منذ مدة، وحتى بعد الطفرة الاقتصادية التي جلبتها اكتشافات النفط في دول الخليج والانتقال إلى الحياة المدنية وبروز إيقاع المدن الحديثة، داوم عدد لا بأس به من الكتاب على الاستمرار في النهل من معين تلك الحقبة.

فتحول النوخذة كرمز للسلطان في المسرحيات الأكثر حداثة، وأشرت السفينة إلى كيان المجتمع وأشر مجتمع البحارة إلى أفراد مجتمع المدينة الحديثة. ولهذا يمكن القول ان تاريخ الكتابة المسرحية في الخليج وطوال سني عمرها الفني استهلكت كثيراً من هذا العمر في البحر والغوص والحياة الدرامية التي كانت تنتجها تلك القصص.

لقد تنبه عدد من الباحثين في التجربة المسرحية الخليجية إلى الحيز الذي احتله زمن الغوص وشخصية «النوخذة» في الكتابات المسرحية ومنهم الباحث المسرحي البحريني الدكتور إبراهيم غلوم في كتابه «المسرح والتغيير الاجتماعي في الخليج العربي»، وهو عبارة عن دراسة في سيوسيولوجيا التجربة المسرحية في الكويت والبحرين..

ففي باب «مسرحة النوخذة» من هذا الكتاب الصادر في العام 1986 يشير د.غلوم إلى ان البنية الاجتماعية والنموذجية لشخصية «النوخذة» تتضمن التفسير الطبيعي لظاهرة تضرب لها جذوراً قوية في الكثير من الأعمال المسرحية التي قدمت في العقدين السادس والسابع من هذا القرن الماضي وجعلتها المثل الأعلى في صياغة الفعل الدرامي.

ويؤكد ان هذه الطبيعة السائدة بين العلاقات الاجتماعية تمثل نموذجاً حياً لأشكال الصراع والتناقض وقد ظلت تلك العلاقات الاجتماعية في مجتمع الخليج العربي حتى بعد ظهور النفط، ويضيف: بل انها تطورت بصورة ملحوظة مع تحول وسيلة الإنتاج من البحر إلى النفط، وحدوث التبعية للعالم الرأسمالي، وشيئاً فشيئاً تحولت النسبة القليلة من عائدات النفط التي يحصل عليها الوسط الكادح المقهور إلى غطاء يحجب الشكل المنبلج للتناقضات الاجتماعية.

وعندما توارثت تلك الصورة النموذجية المباشرة لتناقضات المجتمع القديم وأصبح رجوع كتاب المسرحية إلى صورة المجتمع القديم ضرباً من المواجهة لما يختمر تحت السطح، وبحثاً لا هوادة فيه عن جذور الصراع الاجتماعي، وتأكيداً فظاً على ان مجتمع الثروة والنفط، الذي خرج تواً من مجتمع تقليدي تسوده مظاهر الانقسام الطبقي الحاد، لابد من ان يكون مشبعاً بملامح متطورة من ذات الانقسام الماضي.

ويقول د. إبراهيم غلوم: ان استعادة المجتمع الذي يسيطر فيه النوخذة على وسيلة الإنتاج فوق خشبة المسرح لن يكون لواذا بالماضي، ولا بحثاً عن نقاوة العهد القديم وانما سيكون استبصاراً درامياً لما في الماضي من عناصر الصراع والتناقض وأفعال الاضطهاد.

فكأن الماضي بمثابة الأرضية الدرامية الطبيعية لتجسيد رمز السلطة القهرية في المجتمع، لأن استعادته على المسرح لن تنشغل على الإطلاق بزخرف الماضي وإنما ستنشغل بالكيفية الدرامية، الرامية إلى إطلاق نموذج السلطة القهرية فوق خشبة المسرح.

«توب توب يا بحر»، «الغواص واليريور»، «أوه يامال»، «الوريث واللؤلؤ»، «آه يابحر»، «البوم»، «راع البوم عبرني» وغيرها كلها عناوين لمسرحيات تناولت حياة الغوص على اللؤلؤ وعلاقة البحارة بالربابنة، وأغلب الساحات المسرحية في بلدان الخليج العربي اشتغلت لسنوات طويلة في هذا الإطار الذي هو بالتأكيد إطار ضيق لمدى الحياة الشاسع والمتعدد والمتنوع، فعلى اثر هذا الاهتمام الخاص بحياة البحر، تجاهل المسرح الخليجي الحياة الدرامية في مجتمعات الأرياف وهي كثيرة في دول الخليج ومتعددة ومتنوعة وتكتنز على موروث شعبي كبير خاص ببيئتها.

فهناك علاقة بين الأرض والزرع والحرث والمطر، ثم بيئة الجبال خصوصاً في الإمارات وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، وهناك حياة الصحراء وما يصدر عنها من دراما في مواجهة الرمال المتحركة والترحال الدائم والأخطار التي تواجه البدوي واعتمالات النفس لهذه الشخصية التي يسكنها الشعر والكرم والغدر أيضاً، والأصالة والتقاليد والفلكلور البدوي..

كلها مناطق أهملها كتاب المسرح في الخليج على حساب البحر والنوخذة والغواص وابنته الجميلة ولفترات طويلة جداً، ثم انه لا يمكن إغفال حياة المدن الخليجية، حياة الأسواق والحياة التي كانت تتشكل في الحواري والأزقة.

اليوم ومع تأثيرات العولمة، ومع ذهاب الحياة في المجتمع الخليجي إلى مداها الأرحب في المدنية ومع طغيان تيارات الحداثة ودخول التعقيدات الجديدة مع الحياة الاقتصادية الحاضرة، ومع طغيان سلطة المدن الصناعية والتجارية، ودخول الشخصية الخليجية إلى إطار التأثر البالغ بالموضة وثقافة الإنسان العصري.

مازالت الأعمال الدرامية التي تذهب إلى بيئة البحر والغوص تحقق رواجاً جيداً عند جمهور المتلقين ومازال كثير من الكتاب في الدراما والمسرح يجدون ما يمكن الاتكاء عليه في ذلك الزمن الغابر. فهل استعادة هذه الأعمال هو نوع من النكوص الذي يسببه الحنين لشيء فقد فجأة، على اعتبار ان اقتصاد النفط قد أحدث تحولات درامية كبيرة في الشخصية الخليجية وذاكرتها.

وتحولات فجائية اجتثت هذه الشخصية وبصورة غير طبيعية من بيئتها السابقة إلى بيئة مدنية مغايرة لدواخلها؟ هل هو نوع من الحنين إلى الزمن الغابر. أم الكتاب وبهذا الاتكاء يعبرون عن عجزهم وعدم قدرتهم على رصد الواقع الجديد الذي يبدو متحولاً وهلامياً وغير مقبوض عليه لسرعته في ذلك التحول والتبدل؟ سؤال يبقى معلقاً طالما ان الكتابات المسرحية مازالت لا تغامر في تراكيب الشخصية الخليجية الجديدة الناتجة عن تأثيرات المدنية الحاضرة بقوة.

مرعي الحليان