قصة فدوى القاسم «لم أعد بعد لم تنته الطريق لأقول مجازاً، إن الرحلة ابتدأت»
موسيقاه..
ويأتيني الأذان من بعيد..
تثير هذه الأوتار حسيتي.. شوقي.. رغبات متفاقمة.. تأخذني إليه.
إنما.. لا حزن.. لا ندم.
لا أعرف ما هو هذا الشعور الذي ينتابني؟
هل الوقت متأخرٌ الآن؟
لا.
لم يزل هناك متسعٌ من الوقت لتخترقني موسيقاه من جديد..
وتحدث فتحات صغيرة يشع عبرها نور روحه التي تسكنني..
كنت واثقة أن الأرواح تختار مسارها، ثم تأتي الدنيا لتسكن أجسادنا..
لكنّه أكد لي أن روحه اختارت جسدي أنا.. فكثيراً ما انسابَ في أحاسيسي المضطربة كورقة زهرة عطرة، رقيقة، دافئة..
الآن أنا واثقة أنه على حق.. بداخلي روحان، كانتا تمرحان سوياً في جسدي الذي كان يتوهج جمالاً فقط لأجله.
في بداية مرضي، كان الجميع يزورني في المستشفى.
فضلت ذلك، فالمواعيد المحددة تعني أنني أعرف متى سيأتون ومتى سيذهبون.
ثم قررت العودة إلى المنزل، عندما أبلغوني أنْ لا أمل.
وما أدارهم ما الأمل؟
بل هذا هو أملنا الوحيد.
هذا الأمل منحتني إياه روحانا بعد أن وهبتني روحه حياة مفعمة بالحياة.
هذا الثمن الذي على أن أدفعه..
فلم تعد أمامي خيارات. مشيت، سبحت وركضت وحلّقت، حتى وصلت إلى مفترق مؤلم، صعب.
الآن فهمت كيف يكون الموت نعمة..
يرحمني من الوقوف أمام ذاتي لأختار وأنا لا أقوى على الاختيار.. ولا أقوى على الصمود أمام ما على أن أختار.
فليخترني هو إذن، وليكن القرار قراره.
لا حزن.. لا ندم..
عليَّ أن أحتمل ألماً شديداً مقابل ما مُنِحت من حب شديد.
أستلقي على سريري..
وعلى سطح جلدي تستلقي حواسي كلها، وكل منها تجمع خمسةً أخرى.
في البيت، لم أعد أطيق الزيارات.
لم أرد لأحد أن يعكر حميمية اللحيظات الثمينة التي أعيد فيها تفاصيلنا
فعندما يداهمني الزوار، تنفلت مني قصصنا هائمة في الغرفة
تصطدم بالجدران
تحوم حول الضوء
تفوح رائحتها كأريج زهرة البرتقال
تعلق بملابسهم.. تدخل مساماتهم.. تصطحبهم عندما يبتعدون
سيقرؤون حروفها في وحدتهم
سيلتحفون بدفئها الذي يلازمني
ستعلمهم شيئاً.
أغمض عيني.
يأتيني حضوره سيمفونيةً
كلمات.. صمتاً.. سكوناً
قبلات.. لمسات
اجتياحات سريعة.. بطيئة.. لاهفة.. حارة.. متحفظة.. همجية.. عفوية..
أو ربما هو الأذان الذي أسمعه.
ظلا أعرف كيف يراني الآن
متقطعة الأنفاس، شاحبة، ذابلة
أما أنا، فلم أعد أراه أمامي لشدة نوره بداخلي.
ثمة إدراك عميق يستشعر وجوده.. ينتظره ليرتفع بي
لم أعد قادرة على لمسه ولا التحدث إليه
..ربما لأنْ ليس لدي ما أقول
لم آت لهذا العالم لأغيره
لكنني، عندما كان يبتسم لي، كنت أرى سعادة لم أر لها مثيلاً.
كان يبتسم بكل خلاياه الإنسانية والرجولية. ألهذه الدرجة كان يؤثر عليه وجودي؟
كان يقول لي إني جميلة، أنظر في المرآة، ولا أعرف عن أي جمال يتحدث.
كان يقول يجب أن أنظر عبر عينيه
كأنه لا يدرك ماذا فعل بي
يكفيني أنه يراني جميلة
يكفيني أنه هو الذي وجد أجنحتي ورفع عنها الظلال
ولحّن لي لحناً، أطير على نوتاته، وأسمو على أنغامه، فوق الكائنات، عند قمم أعلى الجبال
بلا قيود، بلا حدود، بلا نهاية أو بداية.
تثاقل مبهم يجتاحني
بل هو احتراق كغليان المياه قبل التبخر
يصل التثاقل إلى جفوني، رغم أن عيني مغلقتان
هل هناك داعٍ لأن أسأل الكون عن وجودي؟
ذكرياتي هو
خلودي هو
تربتي
فلماذا إذن لا تنتمي هذه الفراشة لزهرة البرتقال، للجردينيا والياسمين والفتنة والفل
.. وإليه..
ولأمتْ على صدره ثملة بعشق تعبق به مخيلات الفنانين وأحلام الشعراء
حبه كتابي
سأحمله بيمني..
محمود درويش