تشهد الكتابة للأطفال اهتماما متزايدا، سواء فيما يكتب أو الجوائز الممنوحة لهذا النوع من الكتابة، كجوائز الشيخ خليفة والشيخ زايد التي تم إطلاقها بهدف الارتقاء بهذا النوع الصعب من الكتابة، وتشجيع المتخصصين فيه على تنمية مهاراتهم..
بقراءة واقع الكتابة للطفل في الوقت الراهن نجد أنه في مأزق حقيقي.. ما بين قلة مازالت تحاول جاهدة إنجاز روايات أو أشعار للطفل من خلال مواهبهم الفطرية، ومجموعة أخرى دخلت ساحة الكتابة للأطفال بحثا عن ربح مادي دون أن تمثل كتابتهم أي قيمة، وما بين هذا وذاك كان لابد من الاستعانة بمتخصصين وكتّاب ليكشفوا عن خبايا تجربة الكتابة للطفل، والمعايير التي تحدد من يكتب للصغار.في رأي الروائي عبده زراع فإن الكتابة للأطفال عملية صعبة، وتحتاج إلى موهبة استثنائية لا تتواجد لدى غالبية من يكتبون أدبًا للكبار، في إشارة إلى أن كثيراً من هؤلاء الكتّاب دخل حقل الكتابة للأطفال من باب أنها كتابة للصغار ولا تحتاج إلى موهبة، فأخفقوا لأنهم بحثوا عن العائد المادي دون أي اعتبار للموهبة التي تؤدي بدورها إلى كتاب أدب راق للأطفال.
ويؤكد زراع أن الكتابة لطفل اليوم الذي يطلع على الإنترنت ويتعامل مع الكمبيوتر تحتاج إلى ثقافة واسعة متمثلة في المعرفة بالمراحل العمرية للأطفال لأن كل مرحلة من هذه المراحل العمرية تحتاج إلى كتابة خاصة بها، فالكتابة لمرحلة قبل المدرسة تختلف في المرحلة بعد 6 سنوات إلى 9 سنوات، وأيضًا تختلف من مرحلة 9 إلى 12 سنة، وهكذا وصولا إلى آخر هذه المراحل، وهي مرحلة المراهقة، وهذه المرحلة تحتاج إلى كتابة خاصة بها أيضا لأنها تواكب تحضيرات فسيولوجية للطفل.ولفت زراع أن اهتمام معظم الدول العربية خلال الفترة الأخيرة بتشجيع الكتابة للطفل ونشر أعمال الكثير منها أدى إلى دخول عدد كبير من الكتّاب إلى حقل الكتابة للأطفال، موضحاً أن الأفضل والمتخصص هو من سيبقى على الساحة، أما الوافدون حديثا من باب أنها سبوبة سيلاقون فشلا سريعا، بعد أن يرفض الطفل كتابتهم التي لا تحترم عقليته في القرن الحادي والعشرين.
إلى هنا تؤكد الشاعرة وكاتبة قصص الأطفال سارة السهيل أن الكتابة للطفل لا تجلب المال حتى تكون سبوبة للبعض، موضحة أن كاتب الأطفال إذا لم يكن له دخل مالي آخر فلن يجد قوت يومه، لكنها تشير أيضا إلى ضرورة أن يحرص كاتب الأطفال على الالتقاء بشكل دوري ومستمر معهم بحيث يلقي عليهم قصصهم، ويرى في أعينهم الانطباعات الأولى للقصة.
وتستطرد: كثير ما أفعل ذلك وأتحدث عن أشياء في جمل أو مواقف والقيها على الأطفال ضمن القصة فإذا لم تعجبهم أحاول أن أغير حساباتي مرة أخرى وأتلافاها في كتاباتي المقبلة والتالية لكنني أكون حريصة باستمرار على تضمين كتاباتي متعة وتوجيه ومعلومات وسلوكيات.
لكن الشاعر نادر أبو الفتوح يرى أنه رغم الإقبال الشديد على قصص الأطفال إلا أن المعروض في دور النشر العربية مازال نادرا نادرًا جدًا، فضلا عن ذلك فإن هناك هجمة على هذه المساحة التي نسميها أدب الأطفال من كتّاب لم يراعوا ضرورة الفهم الكبير لنفسية الطفل، وأصبح العمل بالنسبة لهم تجارة، لافتا في هذا الصدد أنه كتبت مسرحيات وأغان للأطفال دون أن يؤلف لهم كتابًا، إدراكا منه بأهمية ما يكتب ومدى إفادته لعقل الطفل..
ويعترف الكاتب عبد التواب يوسف المتخصص في الكتابة للأطفال أن قضية الكتابة للأطفال فيها شيء من التعقيد، فمن يقوم بها لابد أن يكون موهوبًا، كما عليه باستمرار أن يقوم بتطوير موهبته، ويثابر على الكتابة حتى يستطيع أن يكتب شيئًا يستحق أن يقرأه الطفل، ويبعده في نفس الوقت عن الأعمال غير المتخصصة، التي يتصور صاحبها أنه يقف فوق منبر يعظ ويحكي ويزعج الأطفال بقدر كبير من النصائح.
وفي رأي عبد التواب فإن بداية الحكاية أو القصة للأطفال لابد أن تكون بالغة الدلالة عميقة، كما قال «أندريه مايكل» عضو الأكاديمية الفرنسية «ليست هناك حكاية بريئة لذلك يجب علينا ألا نقدم عملاً ساذجًا للأطفال فهم أذكى مما نتصور وسوف يرفضون أعمالاً سطحية لا تستقر في أعماقهم، ولا تترك أثرًا، وهم يريدون أن تدور القصة وأشخاصها في رءوسهم، وتصنع لهم شيئًا جديدًا».
وبدوره يؤكد حسن صبري كاتب قصص للأطفال، ضرورة امتلاك من يكتبون للطفل تجارب منذ صغرهم حتى يستطيعوا أن يتعايشوا مع الطفل، كما هم بحاجة أيضا إلى قراءة الكتّاب الأجانب الذين كتبوا للأطفال مثل هاري بوتر وغيره حتى يستفيد من كتاباتهم.
من ناحية أخرى يعترف صبري أن هناك كتّابا يكتبون للطفل من أجل العيش، أو سبوبة كما يردد البعض، لكن ـ على حد رأيه ـ هذا لا يمنع الاستمرار في تشجيع القادرين على الكتابة للصغار، وتحفيزهم بالمسابقات المتعددة لكشف المواهب الحقيقية لديهم.
ويتدخل الشاعر أحمد فضل مؤكدا أن تزايد عدد الكتّاب الذين يكتبون للأطفال في عالمنا العربي مسألة إيجابية، بعد أن شهدت الكتابة للطفل اهتماما كبيرا خلال العقود القليلة الماضية، وما تضمنته من جوائز مطروحة لتشجيع الكتّاب للاهتمام بالكتابة للطفل، إلى جانب وجود دور نشر متخصصة في هذا المجال، وكذلك هناك مجلات متخصصة للأطفال تسمح لكل من له الموهبة في الكتابة.
ولكونه أحد أشهر من كتبوا ويكتبون للأطفال الآن، يدعو الكاتب يعقوب الشاروني من يكتبون للأطفال بالابتعاد عن الوعظية المباشرة في كتاباتهم، وكذلك الاستعانة بذكريات الأطفال، واستدعائها لتحفيزهم على القراءة.
ويؤكد أن فن الكتابة للطفل يحتاج في الوقت الراهن إلى فكر درامي منفتح لا يخلو من عنصر الإثارة والتشويق والتركيز على شخصية واحدة لتجنب التعقيد بهدف تسهيل فهم الهدف من النص الأدبي الموجه للأطفال، ما يعني ـ كما يقول ـ إن العالم العربي بحاجة إلى دراسات لفن الكتابة للطفل فالعملية ليست سهلة بالمرة كي يعتبرها البعض تجارة، وهنا أناشد المعنيين بالثقافة العربية ضرورة ترجمة عشرات الكتب المكتوبة للأطفال باللغات الأجنبية إلى العربية، خاصة منها الذي يتحدث عن فن الكتابة للطفل.
خدمة: (دار الإعلام العربية)