يتخذ بيت الشعر بعداً فضفاضاً في الثقافة العربية، فهو لناحية الفن وحدة متكاملة المبنى من وزن وقافية، ودلالات ترتبط بالشكل الذي لا شطط فيه ولا ترهل، ولناحية المعنى هو الحكمة والعبرة والقول الفصل الذي تحفظه الذاكرة وتتمثله بما يتوافق مع تصاريف الحياة، ومن ثم تحول بيت الشعر في عصور حديثة إلى شكل ملموس، حيث حجر وقاعات وأبواب وحياة تدب فيه، وأرواح نضرة تخزن المشاعر في قلوبها فتفيض على الأجناب.

فقد أوغل الشعر العربي في الابتعاد عن نبعه الذي تتفجر منه فيضانات العاطفة، وتفكك مشهده الأسطوري بعدما تحولت القصيدة من منبر إلى صوت هامس، وتعد القراءة الفردية طريقاً للوصول إلى الأعماق أكثر من شلالات الحماسة التي ألهبت أكف الجمهور تصفيقاً واستحساناً وأصبح الشعر الجديد يتصدر الساحة الشعرية منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي حاضراً في كل مكان، ويكاد الشعر العربي ينقطع إليه بشكل مطلق.

دلالة بيت الشعر ليست في البقعة الجغرافية التي يشغلها، دلالته الحقيقية في الاستيعاب وإعادة إنتاج المعرفة لتكون ضمير الأمم والشعوب، بعض تلك الشعوب تحول بيوت الأدباء والفنانين الراحلين إلى متاحف ومزارات وجدانية يذهب إليها العشاق ليعايشوا روحياً المكان الأحب لمبدعهم الأثير، ولا تخلو تلك المتاحف من أمسيات وندوات ومحاضرات يبقى أثرها طويلاً في الذاكرة.

ان الاحتفاء بالشعر كمنجز حضاري يتوافق تماماً مع طموحات الأمم لتأخذ دورها في مصاف التقدم والازدهار، ولطالما عملت دول كبيرة على تعزيز دورها السياسي بمنجز ثقافي، والدليل في ذلك معارض الكتب الأبرز في العالم والمتاحف الأهم والمهرجانات الأكبر تقام فيها وترعاها مؤسسات اقتصادية وشركات ناشطة في عالم المال وليس وزارات الثقافة أو مؤسسات الدولة الأخرى.

عندما يكون هناك بيت للشعر، يعني عناية مطلقة بالشعر اجتماعياً ورسمياً، ومن الطبيعي أن تترافق فكرة بيت الشعر بما يطبع وينشر وبما يقدم للساحة من أصوات ويرعى مواهب ويصقل تجارب ويوثق ما في طريقه للانقراض، خاصة المرويات الشفاهية، فكرة بيت الشعر تكمل دائرة الانعطاف نحو المشاعر الدافئة والأرواح الباحثة العزاء وسط قلق الحياة. أليس الشعر عزاء ومواساة للإنسان.

hussain@albayan.ae