«نحن لا نحب القراءة» كتاب عن لقاءات أستاذة للأدب مع طلاب إحدى المدارس الإعدادية الفرنسية بمدينة طولون. وكانت المؤلفة دانييل سالوفان قد قامت بزيارات متكررة إلى المدرسة المعنية خلال عام 2008. أما الهدف المعلن فكان كيفية مساعدة المدرّسين كي يبعثوا لدى تلامذتهم «تذوق الكتب وحب القراءة».

وتقول المؤلفة في مقدمة كتابها أنها لا تعرف ما الذي قدمته حقيقة لأولئك المدرّسين، ولكنها لاحظت واقع أن المدرسة تبقى بمثابة «مساحة للأمان» في مجتمع متحرّك وتعاني فئات كثيرة فيه من صعوبات لتأمين سبل عيشها الكريم. هذا على الرغم من «انحطاط أوضاع المدرسة وإنهاكها وانهيارها في بعض الأحيان».وما تؤكده دانييل سالوفان اعتمادا على احتكاكها المباشر بأوساط التلامذة هو أن مستوى المدارس والتدريس في فرنسا «ينخفض» بدلا من أن «يرتفع» ولكنها تعرف بكل الأحوال «كيف تقاوم إلى هذه الدرجة أو تلك. ثم إنها لا تزال أحد أهم الحواجز الفعّالة ضد «الصيغ المدمّرة» التي تفرضها الثقافة الخفيفة ممثلة في إنتاج «أسواق التسلية» و«هيمنة المال» و«حمّى الاستهلاك».

وتؤكد في هذا السياق أن «الأداة الفعّالة» التي تستخدمها المدرسة في مقاومتها هي «الكتب». ففي المدرسة لا تزال توجد كتب «على الأقل». وإذا كان من الصحيح القول أنها لا تستطيع أن تفعل كل شيء. لكن انهيار المدرسة، يعني بكل بساطة، انهيار كل شيء.

إن دانييل سالوفان تروي في كتابها الكثير من الحكايات «اللطيفة» عن عالم أولئك الذين قابلتهم وعرفتهم عن قرب في إحدى مدارس مدينة «طولون» بجنوب فرنسا. وتحدد القول أن المدرسة التي «عملت» فيها موجودة في منطقة يقطنها عدد كبير من المهاجرين مما جعلها تنطوي ضمن المدارس المسماة بمدارس «منطقة التعليم ذات الخصوصية». ومصدر هذه «الخصوصية» تأتي تحديدا من الحالة المعيشية المتدنية لأهل أغلبية التلامذة.

لم تذهب المؤلفة لأداء مهمتها وهي تحمل معها أية «أحكام مسبقة». لقد أرادت أن تواجه تساؤلات أولئك التلامذة وهمومهم ورؤيتهم للمستقبل مستقبلهم. وكانت الملاحظة الأولى هي أن أولئك التلامذة يمتلكون قدرا كبيرا من «الكفاءات الخلاّقة». وفي الوقت الذي لم يتردد فيه بعضهم من التعبير عن غضبه وسخطه على الأوضاع الصعبة التي وجدوا أنفسهم فيها «دون أن يختاروا ذلك» لاذ آخرون بصمت مطبق، لكن على خلفية الرفض أيضا.

وحرصت المؤلفة على أن تتعرف على مستواهم التعليمي. وهكذا طلبت من أولئك التلامذة تحرير «تعليقات» على نصٍ مسرحي من تأليفها قرأته عليهم. وعندما اطّلعت على ما كتبوه وجدت نفسها في مواجهة «حقيقة الفشل المدرسي وعلى ضحالة القاموس الذي يستخدمونه رغم أهمية الأفكار أحيانا». كان هدفها عبر تلك التجربة هو محاولة فهم «ما يجري» أو «ما لا يجري» في المدرسة.

أما أكبر الأخطار في كبح المعرفة فتجده دانييل سالوفان في «فقدان الشجاعة أمام الصعوبات الهائلة التي قد تدمّر كل الجهود».

وتؤكد المؤلفة في هذا السياق اعتمادا على مشاهداتها وملاحظاتها المباشرة للتلامذة الذين عرفتهم عن قرب وشهدت ردود أفعالهم وقرأت النصوص التي كتبوها هو أن لديهم «شهية هائلة» للمعرفة لديهم لكن «كل شيء يساهم في دفعهم بعيدا عن عالم القراءة والكتابة». المطلوب إذن هو «اقتحام» الصعوبات ودفعهم نحو هذا العالم، خاصة أن الكثيرين من بينهم أظهروا فرحا حقيقيا، بل أعربوا عن شعور بالاعتزاز، أنهم يحفظون عن ظهر قلب بيتا من الشعر لرامبو.

هؤلاء التلامذة يحتاجون لمن يحدثهم عن الكتاب وعن الطريق «المفتوح» الذي يمكن أن تلجه المخيلة عبر النص. والموعد الذي يمكن أن تمثله قراءة «أوديسة» هوميروس على صفحات مكتوبة.

ولا تتردد المؤلفة في تحميل قسط كبير من مسؤولية التقصير عن القراءة إلى السلطات العامّة المسؤولة. تقول: «كيف حدث كي لم نعد نمتلك الجسارة السياسية لتصوّر قيام عالم أفضل أمامنا أو على الأقل عالم أكثر عدالة وأن نوقظ لدى هؤلاء الأطفال رغبة العمل فيه؟ وكي لم نعد نملك تذوّق تعريفهم بالصيغ وبالكائنات وبالأشياء التي أُشيد بواسطتها العالم منذ الماضي السحيق وحتى الغد الذي لا نهاية له، وذلك كله عبر الكتب»؟

ولا تنسى المؤلفة أن تذكّر باستمرار أن الوسط المحيط و«الثقافة المسيطرة» تدفع باتجاه آخر غير القراءة. بل إن المجتمع برمّته «تحوّل نحو المال، ونحو ما هو مباشر». باختصار نحو «ثقافة التسطيح» بعيدا عن أي عمق، وجهد تتطلبهما القراءة. وتتحدث المؤلفة عمّا تسميه «الثقافة المراهقة» التي يشكّل «التسويق» عصبها الرئيسي».

ومع تثبيت واقع أن التلامذة والطلبة عامة «لا يحبون القراءة»، فإن المؤلفة تثبت أيضاً حقيقة أخرى هي أن «المدرسة لا تساعدهم على ذلك». أما الأساتذة فإنهم «يرقبون ما يجري أمامهم بكثير من الصبر والصمت».

الكتاب: نحن لا نحب القراءة

تأليف: دانييل سالوفان

الناشر: غاليمار ـ باريس 2009

الصفحات: 159 صفحة

القطع: المتوسط

Nous, on nصaime pas lire

Danielle Sallevane

Gallimard - Paris- 2009

159 P.