تتميز «الصورة» بقدرات فائقة وميزات خاصة.. حيث تعتبر من أهم وأقدر الوسائل على الإقناع، نظرا لما أكدته الأبحاث التربوية من تفوق الوسيلة المرئية عن تأثير الوسيلة المسموعة والمقروءة. فقد وضعت وظيفة الصورة في المقدمة من حيث التأثير، يليها في التأثير توظيف «الصوت» و«اللون» و«الرسم» ثم «الحركة» و«الكلمة».
أن التكنولوجيا الجديدة، تميزت بخاصية «السرعة»، وباتت الصورة سريعة الوصول إلى المتلقي بدرجة هائلة، بكل ما تتضمنه الصورة من «الإعلام» و«الإعلان» و«مضامين العلوم والآداب والفنون»، محملة بكم من المعلومات. وهو ما يستوجب معه التوقف للتعرف على معطيات وتأثير الصورة. نتخير منه الاقتراب من محور الأدب في عصر الصورة الالكترونية، ومنه «الصورة وواقع الأدب الافتراضي».ماذا عن الصورة؟قال «أرسطو«: «إن التفكير مستحيل من دون صور». فيما قال «آبل جانس» عام1926م: «إننا نعيش بالفعل في عصر الصورة».
وهو ما أكده «رولان بارت» فيما بعد.ويقول المفكر الفرنسي «ريجيس دوبريه» أن «الصورة رمزية، غير أنها لا تملك الخصائص الدلالية للغة، إنها طفولة العلامة، فالصورة ذات فضل لأنها أداة ربط، لكن بدون مجموعة بشرية متماسكة، تنتفي الحيوية الرمزية». الآن لا يمكن تصور الحياة المعاصرة من دون الصور. فالصورة حاضرة في الأسواق وفى الوسائل التعليمية، وعبر الإعلام والفنون المرئية، وأخيرا على شاشات الكمبيوتر. حذر البعض من هذا الطغيان للصورة على ثقافة الإنسان، حتى تنبأ أحدهم بهيمنة التليفزيون ليحل محل الكلمات، وبالتالي سوف تقتصر الكلمات على المكاتبات والكتب التي بدورها سيقل قراؤها، وتتعدد السلبيات.
تعريف الصورة
يشتق المصطلح من كلمة لاتينية تعنى «محاكاة»، وفي المجال السيكولوجي مترادفة مع: «التشابه»، «النسخ»، «إعادة الإنتاج»، وفى العربية تعنى «هيئة الفعل»، «الأمر وصفته».
للصورة أنواع متعددة ـ حصرها د.شاكر عبدالحميد في كتابه «عصر الصورة»: «الصورة البصرية» وهى الملموسة للعيان، والصورة «بوصفها تعبيرا عن التمثيل العقلي للخبرة الحسية».
حيث يتشكل الوعي بالصورة، و«الصورة الذهنية» وهى ليست حرفية أو مماثلة للصورة الحسية، بل درجة أعلى. ثم الصورة «التي تشير إلى المؤسسات أو الأفراد أو الشعوب».. مثل صورة الشعب الصيني وملامحه، وصور «عناصر الحلم والتخيل». كما أن هناك «الصورة اللاحقة» التي تتشكل عند حاسة الإبصار بعد منبه حسي على العين. أما «الصورة الارتسامية» فهي نوع من الصور الشبيهة بالإدراك، ثم «صور الذاكرة» التي تعد نوعا من التفكير المألوف لنا في عمليات التفكير.
أما الصورة الرقمية المولدة بالكمبيوتر (الحاسوب)، فقد أدت إلى تحولات جذرية في الثقافة الإنسانية، نظرا لدورها كمعلومة، مع سهولة الحصول عليها والتعامل معها، ثم تخزينها وإنزالها. من شواهد تلك المتغيرات: أن فقدت الصور الزيتية كونها صور فريدة ووحيدة، وفقدت الصور الضوئية التي ترصد لحظة ما بالآت التصوير الضوئية كونها تعبيرا ذكيا لصانعها، بينما في المقابل لعبت الصور الرقمية دورها في الاحتفاظ بوظائف الصورة التقليدية والمتاحة سلفا، مع دورها المعلم لكونها ذات شكل معلوماتي محملة بها..
تلك المعلوماتية التي اعتبرها «بل جيتس» حين سأله أحدهم عن ثروته التي تتعاظم فقال: «إن ثروتي بسبب المعلومات المتاحة في شبكة الانترنت، وليس بسبب التقنية ذاتها».
وصور «الواقع الافتراضي»، مصطلح قال به العالم «جاردن لانير»، حيث يشعر مستخدمو الكمبيوتر أنهم يعايشون العوالم التي يقوم الكمبيوتر بتخليقها، بالصورة والصوت واللون والخط وغيرها من الأنظمة الخاصة بالكمبيوتر.
الصورة والثقافة البصرية
لقد أتاحت تكنولوجيا «الكمبيوتر» دخول فئات بشرية عريضة (صغيرة السن وكبيرة.. فقيرة نسبيا وثرية.. متفاوتة درجات التعليم والمعرفة العامة) أتيح لها بسهولة ويسر اقتحام عالم الاستقبال الثقافي الجديد، وهي تلك الفئات التي كانت مهمشة في السابق، لذا يجزم د.عبدالله الغذامي قائلا:
«جاءت الصورة لتكسر ذلك الحاجز الثقافي والتمييز الطبقي بين الفئات، فوسعت من دوائر الاستقبال وشمل ذلك كل البشر فتوسعت القاعدة الشعبية للثقافة وهذا دور خطير تحقق مع الصورة ».
ويرى أن هذا الدور يتمثل أيضاً في (زعزعة مفهوم النخبة)، بحيث صار الجميع سواسية في التعرف على العالم واكتساب معارف جديدة، والتواصل مع الوقائع والثقافات.
هناك صور تعد تاريخية/نادرة لا تنسى، منها مثلاً صور الصعود إلى القمر التي تعرض (نيل آرمسترونج) وهو يخطو خطواته الأولى على سطح القمر، وصور حرب الخليج 1991، وغيرها.
إجمالا يمكن القول أننا بفعل الثورة التكنولوجية نعيش عصر الصورة، ويعتبر التصوير الرقمي مميزا لحقبة ما بعد الحداثة، حتى قال «بودريان» أن العالم مجرد صورة نقلا عن صورة، نقلا عن صورة، وأصبحنا في عالم تهيمن عليه الصورة والواقع في خلفيتها، لم تعد هناك صورة وأصل، بل صور ذات أصول متعددة. انه إذن عالم أزرار الكترونية تجعل المرء يشعر ويحس بإحساسات واقعية وهى ليست كذلك. لقد أصبح التليفزيون أكثر أشكال الترفيه تأثيرا، كما لعب دورا لافتا في الحروب، وهناك ما سمى بالحروب التليفزيونية.. وهو ما جعل المفكر «بودريار» يقول:
«إن الحرب لم تحدث في الخليج»، وهو يعنى أن الصور التي شاهدها الناس، ليست هي الصور الحقيقية للحرب في الخليج!
سلبيات الصورة
نظرا لهيمنة الصورة الافتراضية، انتهت بعض الدراسات إلى اكتشاف مرض «الإدمان»، وكمثل إدمان المخدرات والمسكرات مضرا، كذلك إدمان مشاهدة التليفزيون أو العاب الفيديو وغيرها، وان بدت مختلفة في العديد من الجوانب. كما سجلت العيادات الطبية النفسية بعض حالات الاكتئاب المرضية نظرا لارتباط المشاهد (خاصة الأطفال والمراهقين) بجهاز الكمبيوتر وعالم الشبكة العنكبوتية.
يمكن الإشارة إلى بعض الملامح الناتجة عن التطورات التكنولوجية في عصر الصورة، تلك التي يراها البعض منها ما يعد من سلبيات الصورة: التخوف من أن تحل الآلة محل العامل (حيث التكنولوجيا المتقدمة) ـ المعلومات أصبحت سلعة مباحة ـ انخفاض في تكلفة خدمة المعلوماتـ التركيز على الترفيه ـ يقول «بليك» أن مقولة «مكلوهان» بوجود القرية العالمية (في الستينيات) لم يعد لها وجود منذ التسعينيات، حيث تحول العلم إلى مجموعة بنايات بها شقق وبها أناس كثر لا علاقة بينهم.. يمكن الإشارة إلى بعض السلبيات تحديدا:
.. هيمنة الواقع الافتراضي، قد يؤدى إلى الإدمان، كما في بعض الألعاب (لعبة «doom».)
.. هيمنة ثقافة المظهر والشكل والإبهار والاستعراض على حساب ثقافة الجوهر والمضمون والقيمة والعمق، حيث تتحول الصورة إلى واقع بدلا عن أن تعكس الواقع.
.. هيمنة الصورة في صورتها السلبية، يعد معاكس للإبداع، وما أحوجنا إليه في حياتنا اليومية، وذلك نظرا لهيمنة ثقافة الكثرة والنقل والمحاكاة عن غيرنا.
.. هيمنة ثقافة صناعة النجوم، وما يستتبعها من أساليب غير أخلاقية.
.. هيمنة ثقافة النقل والمحاكاة، وهى المضادة لثقافة الإبداع والابتكار.
.. توليد حالة الإجبار العقلية أو «غسيل المخ».
.. ما يعرف بجرائم الصورة (جرائم الانترنت)
الصورة والأدب
لقد أبدع الإنسان منذ أن كان يقيم فوق الأشجار وفى الكهوف، حيث عبر عن هواجسه وأفكاره، إن ما رسمه وبقى على جدران الكهوف القديمة، شاهدا حيا. لقد اعتمد على الفطرة أو ما يمكن أن نطلق عليه الموهبة التي يكون البعض تميز بها، وأيضا اعتمد على الذاكرة، وهما شرطان من شروط الإبداع. أوضحت «د. فاطمة البريكى» في دراسة لها..
أن هناك مرحلتان مرت بهما البشرية قبل مرحلة الأدب الافتراضي. المرحلة الأولى، وهي المرحلة التي كانت الأداة الوحيدة المتاحة فيها هي الموهبة، وقد كانت تلك الأداة متناسبة مع طبيعة الحافظة المتوافرة في ذلك الوقت، وهى) الذاكرة البشرية)، التي كانت تعمل على مستوييْن: الذاكرة الفردية، وهي ذاكرة الأديب المبدع نفسه..
والذاكرة الجماعية، وهي ذاكرة المستمعين والمتلقين، الذين غالبًا ما يكونون أبناء القبيلة. وهو ما أعان المبدع على حفظ ما أبدعه، ثم نقل (النصوص) من جيل إلى جيل تالي وربما من مكان إلى آخر. وقد أوردت الباحثة مثالان بما تم مع بعض أشعار فترة ما قبل ظهور الإسلام في الجزيرة العربية..
حيث الأشعار التي تم نقلها شفويا حينا من الزمان تمثل الأشعار التي كتبت بالفترة التي لم يكن يعرف فيها العرب وسيلة حفظ غير «الذاكرة». أما وقد عرفوا الكتابة بماء الذهب، كما عرفوا الكتابة والتدوين، تم كتابة أشعارهم الجيدة بها، وعلقوها على أستار الكعبة في مكة المكرمة. كان الورق فيما بعد وسيلة جديدة وجيدة جدا لحفظ إبداعات المبدعين، ولفترات طويل، إلى اليوم، على الرغم من وجود أدوات أخرى، آخرها الإبداع الرقمي باستخدام التقنيات الرقمية الجديدة، وهى المرحلة الثانية.
لم يبق الأمر كذلك أبدًا، إذ انبرى من بين صفوف الأدباء من استطاع التعامل مع الورق (والكتابة عمومًا) بوصفه أداة جديدة، يمكن أن تُوظَّف في النص الأدبي لينتج شكل آخر مختلف من النصوص، غير مألوف ولا معروف، يمثل نتاجًا متناسبًا مع الأداة الجديدة التي عرفتها البشرية ولم يحسن الأدباء استثمارها إلا لأداء وظيفة تقليدية. وكانت النظرة المغايرة للبعض تجاه الورق، باعتبار الورق أداة إبداعية، وليس حافظة للإبداع فقط. وهو ما قال به «بكرى شيخ أمين» في كتابه «البلاغة العربية في ثوبها الجديد».. وهو ما أطلق عليه مصطلح (الشعر الهندسي).
وهو مصطلح يحاول به واضعه أن يشمل عددًا من المصطلحات السابقة «الشعر الشجري»، و«الشعر الدائري»، وغير ذلك. في هذا النمط من النصوص الشعرية (الأدبية) يقوم الشاعر بالرسم بالكلمات، فينتج قصيدة على شكل مربع، أو دائرة، أو وردة، أو شجرة، أو غير ذلك، وهو بهذا يستثمر الورق كأداة لينتج نصًا لا يقدم الكلمة فقط، بل الكلمة والشكل معا، سواء كان دور الشكل جوهريًا في النص، أو شكليًا فقط.
المعرفة الحرفية
السؤال الملح الذي فرض نفسه ، ما هي احتياجات الكتابة الجديدة في الأدب الافتراضي؟
إن الروائي في الإبداع الرقمي لم يعد مبدعا خالصاً (قاص أو روائي أو شاعر فقط)، بمعنى أنه يجب أن تتوفر فيه مواهب أخرى كتقنيات الإخراج السينمائي وكذلك مهارة الأدوات التقنية.. هذا أفضل وان لم تتوافر به تلك الخبرات، يمكن الاستعانة بفني قادر على أنجاز ما يتخيله.
في الفصل المعنون ب«اللغة في رواية الواقعية الرقمية للكاتب «محمد سناجلة» يقول:
«إنه في اللغة المستخدمة في كتابة رواية الواقعية الرقمية لن تكون الكلمة سوِى جزء من كل، فبالإضافة إلى الكلمات يجب أن تكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة. كما أن الكلمات نفسها يجب أن ترسم مشاهد ذهنية ومادية متحركة، أي أن الكلمة يجب أن تعود لأصلها في أن ترسم وتصور، وبما أن الرواية أحداث تحدث في زمان ضمن مكان.
وهذه الأحداث قد تكون مادية ملموسة أو ذهنية متخيلة فعلى الكلمات أن مشهد هذه الأحداث بشقيها. وعلى اللغة نفسها أن تكون سريعة... كما أن الجملة في اللغة الجديدة يجب أن تكون مختصرة وسريعة، لا تزيد عن ثلاث أو أربع كلمات على الأكثر.
إن ما سبق يعني أن على الروائي نفسه أن يتغير، فلم يعد كافياً أن يمسك الروائي بقلمه ليخلط الكلمات على الورق، فالكلمة لم تعد أداته الوحيدة، على الروائي أن يكون شمولياً بكل معنى الكلمة، عليه أن يكون مبرمجاً أولاً، وعلى إلمام واسع بالكمبيوتر ولغة البرمجة، عليه أن يتقن لغة ال HTML على أقل تقدير، كما عليه أن يعرف فن الجرافيك والإخراج السينمائي، وفن كتابة السيناريو والمسرح، عاديك عن فن. Animation.».
هذا لا يعني أن يتحول المبدع عن جوهر موهبته، المعنى أو الضرورة تلزم الجميع الآن، أن يقتحم المبدع الفنون الأخرى، بقدر الحاجة التي من الضروري التعرف عليها. مع الوضع في الاعتبار أن المنفذ الفعلي للتقنيات المهرية الأخرى، ربما مبرمج أو مهندس، أو تقني لفن ما يحتاجه المبدع في روايته (ومع ذلك يلزم أن يكون المبدع متابعاً عن فهم، وقد يصل إلى درجة الممارس).
الإبداع الرقمي يعبر عن عالم جديد، خليط بين مفهوم الخيال الرابط ووجهة النظر الخاصة بالمبدع، مع استخدام تقنيات أخرى تضيف المعنى وتبرز وجهة النظر للعمل الأدبي. إن تلك الإمكانات المتاحة سوف تخلق موضوعاتها غير تلك التي طرحتها الإبداعات الورقية.. وبالتالي سوف نرى أدبا جديدا ومتجددا، لذا سوف يضيف عامل الزمن للإبداع الرقمي بجهد روادها، حتى قد ننتهي إلى شكل جديد آخر.. مزيج بين ما نعرفه عن الأدب التقليدي الورقي، وما أتاحته التقنيات الجديدة والمضافة، خصوصاً أننا على بداية الطريق.
رمزية الصورة
إن للصورة مميزات وخواص تجعلها على قدر من الأهمية لا يمكن إغفاله. فالصورة لها طبيعة رمزية واختزالية معا، يحكمها قانون: «أن ترى يعنى أن تختصر»، لذا وصفت الصورة بواقعيتها، فهي قادرة على التوصيل الناجح بتأثير أكبر من تأثير الكلمة (لوحظ أن استيعاب الفرد للمعلومات يزداد بنسبة 35% عند استخدام الصوت والصورة معا.
السيد نجم
