انفردت صحيفة «ذا غارديان» البريطانية مؤخرا بنشر نسخة نادرة من مقال كامل للأديبة البريطانية الشهيرة فيرجينيا وولف (1882 ـ 1941) التي تعتبر من أهم الأدباء الحداثيين في القرن العشرين، وتتحدث وولف في المقال الذي كتبته عن تأملاتها بشأن حب القراءة ودور القارئ الجيد ومتعة القراءة المركبة. وقد تزامن نشر المقال مع اقتراب صدور الجزء الخامس من مجلد مقالاتها للمرحلة من 1929 إلى 1932، وفيما يلي ترجمة للنص:
في هذه الساعة المتأخرة من سديم الليل، تتموضع كتب تاريخ العالم في كل أرجاء البيت، في غرفة المعيشة وغرفة الطعام وغرفة الأطفال والمطبخ. وفي بيوت أخرى جمعت الكتب وخصص لها غرفا مستقلة. كتب ضمت الروايات والأشعار، التاريخ والمذكرات، منها القيمة المجلدة بعناية، ومنها العادية. ولا يملك المرء حينما يقف أمامها أحيانا، من التساؤل بدهشة: ماهي السعادة التي أحصل عليها، أو الفائدة التي أجنيها من مرور عيني على عدد لا نهائي من السطور المطبوعة؟القراءة فن معقد، الامتحان الأصعب لحواسنا كما نلمس كقراء. علما أن التزاماتنا كقراء عديدة ومتنوعة. يمكننا القول إن واجبنا الأول تجاه الكتاب يتمثل في القراءة الأولى، لنأخذ صفة من نكتبه.
وعلى المرء مع بداية القراءة أن يجلس في قفص الاتهام مع المجرم، وأن لا يعتلي المنصة للجلوس مع القضاة. على القارئ أن يتماهى مع الكاتب في موضوعه، سواء كان جيدا أم سيئا في عملية إبداعه. لأن جميع الكتب مهما اختلفت بنوعها وجودتها، ما هي إلى محاولة لابتكار شيء ما.
ودورنا الأول كقراء يتمثل في محاولة فهم ما الذي يريد الكاتب عمله من الكلمة الأولى التي يبني من خلالها جملته الأولية وصولا إلى الجملة الأخيرة التي ينهي بها كتابه.
علينا ألا نقحم تصورنا الخاص عليه، وألا نسير إرادته باتجاهنا، علينا أن نسمح لدانييل دافو أن يكون دافو، ولجين أوستن أن تكون أوستن بحرية، مثلما نترك للنمر فروه وللسلحفاة درعها، وإن كان هذا الأمر صعباً جداً، لكونه من الصفات الاستثنائية العظيمة التي تجمع بانسجام ما بين رؤيتها الخاصة، وطبيعة الفردوس والأرض والإنسان.
والكتاب العظماء غالبا ما يتطلبون منا جهودا بطولية كي نقرأهم بصورة صحيحة، فهم يتلاعبون بنا، يضيقون علينا ويكسرونا. والذهاب من دافو إلى أوستين، ومن توماس هاردي إلى بيكوك، ومن ترولوب إلى ميريديث، ومن ريتشاردسون إلى روديارك كبيلينغ، يعني أن نتمزق ونتشتت، ونرمى بعنف في هذا الاتجاه وذاك، كذلك الأمر مع الكتب الأقل شأنا.
كل منهم متفرد، وكل له رؤيته، وطبعه وتجربته الخاصة التي يمكن أن تتعارض معنا. ومع ذلك علينا السماح لها بالتعبير عن نفسها بالكامل هذا إن أردنا إنصاف الكاتب. وفي المجمل فإن الكتاب الذين يمنحوننا جل ما عندهم يسببون لنا عادة أزمة مع كبرياءنا، لا سيما إن كانوا من كتابنا المعاصرين. لذا نحن نحتاج لكل طاقة مخيلتنا وفهمنا، للتمكن من الحصول على أكبر قدر ممكن مما يعطوننا إياه.
والمتعة المستمدة من القراءة الفعلية للكتاب، تشمل تجدد انطباعاتنا وتكاملها، والدخول في عوالم زاخرة بالانفعالات والمشاعر لننتقل ما بين الغضب والضحك، الفرح والحزن، الضجر والحبور، ليبقى الحكم معلقا إذ لا نعرف ما الذي سيأتي بعد.
والقراءة كما سبق وذكرنا فن معقد، لا ينحصر فعلها في التعاطف والفهم، بل ينسحب إلى النقد والتقييم.
وهكذا على القارئ الآن أن يغادر قفص الاتهام والصعود إلى المنصة، وعليه أن يخرج من دور الصديق ليلعب دور القاضي. هذا الانتقال الذي يمكن أن ندعوه بفعل ما بعد القراءة، وعادة ما يتم بعيدا عن الكتاب الذي قرأناه. هذا الفعل يخلق متعة أعمق وأكبر من التي تلقيناها خلال تبحرنا في الكتاب.
لكن الكتاب الآن اكتمل، وأخذ حيزه الكامل في ذهننا، وهو مختلف عن الكتاب الذي قرأناه على مراحل. فله خصوصيته وكينونته ويمكن رؤيته في العقل ومقارنته بصياغات ومقولات كتب أخرى، وإعطائه حجمه الخاص ومكانته مقارنة بالكتب الأخرى.
ولكن بقدر ما في عملية تقييم الكتاب والحكم عليه من سعادة بقدر ما فيها من صعوبات. وعلينا أن ندرك في البداية، أن الاطلاع على آراء عقل آخر لا يساعدنا عندما يكون انطباعنا ساخنا. هذا الفعل يفيد بعد تكوين المرء لرأيه الخاص، حيث بمقدوره الدفاع عن حكمه أمام رأي النقاد الجيدين كجونسونز والدرادينز وآرنولدز.
ولبلورة حكمنا أو تقييمنا الخاص، يمكن أن نقدم لأنفسنا أفضل مساعدة من خلال إدراكنا للإنطباع الذي تركه فينا الكتاب بالكامل، وبدقة قدر الإمكان. لنقوم بعدها بمقارنة انطباعنا بالانطباعات التي شكلناها في الماضي، والمعلقة في خزانة الألبسة في العقل. فانطباعاتنا عن الكتب الأخرى التي قرأناها، مثل الملابس التي أخذناها وعلقناها بانتظار موسمها. فعلى سبيل المثال إن كنا قد انتهينا مؤخرا من قراءة كتاب «كلاريسا هارلو»، فإننا نأخذه ونضعه إزاء الشكل الذي بقي في ذهننا بعد قراءة كتاب «آنا كارنينينا».
نضعهما جانبا بجنب، لتظهر مباشرة الخطوط الرئيسية للكتابين بصورة منفصلة ومختلفة، مثل زاوية من منزل إزاء القمر بدرا. ونضع مزايا ريشاردسون البارزة قبالة تولستوي، وأسلوبه غير المباشر وسرده المسهب قبالة مباشرة تولستوي وإيجازه. ثم نسأل أنفسنا، لماذا اختار كل منهما أسلوبا مختلف الزاوية في مقاربته للموضوع؟
ونقارن العاطفة التي شعرناها خلال الكوارث في كتابيهما، آخذين في الاعتبار أن ريتشاردسون كتب كلاريسا في القرن الثامن عشر في بريطانيا، وتولستوي كتب كارنينا في القرن التاسع عشر في روسيا. وبالطبع لا حد للتساؤلات التي يمكن أن يطرحها المرء على نفسه لدى وضع الكتابين معا.
وهكذا بالتدريج وما بين الأسئلة والإجابة عنها، نجد أننا وصلنا إلى رأينا إن كان الكتاب الذي قرأناه مؤخرا من هذا النوع أو ذاك، والدرجة التي حاز عليها، وعلى أي مقياس يأخذ موقعه في عالم الأدب كله. وإن كنا قراء جيدين فنحن لا نحكم من خلال روائع الأدب الكلاسيكي الخاص بالأموات فقط، بل نقارنه بأدب الكتاب الأحياء أيضا وبذات المنهج الخاص بأدب الماضي.
وعليه، حينما يسألنا أصحاب الفضيلة عن الفائدة التي نجنيها من تمرير أعيننا على العديد من الصفحات المطبوعة، يمكننا القول أننا نقوم من خلال دورنا كقراء بمساعدة الأدب العظيم على دخول العالم. نحن نؤدي دورنا في عملية الإبداع، إذ نحفز ونشجع ونرفض ونعلن عن مشاعر قبولنا ورفضنا، لنقوم بدور (كش ملك) مع الكاتب. وهذا من أهم أسباب قراءة الكتب، إذ أننا نساهم في ازدهار الجدير منها ودخولها عالمنا والعكس بالنسبة للكتب السيئة.
ومع ذلك، فهذا ليس المبرر الحقيقي. لا يزال السبب الحقيقي غامضا، فالمتعة التي نحصل عليها من القراءة، متعة مركبة تختلف من عمر إلى عمر ومن كتاب إلى آخر، وإن كانت في المجمل مشبعه. وحيز متعة القراءة فعليا ضخم بحيث لا يمكن الشك فيه. ومن دون متعة القراءة يصبح العالم مختلفا، ومعقدا أكثر مما هو عليه.
القراءة غيرت العالم وتستمر في تغييره. وحينما نتأمل تطور حياة الإنسان من مخلوقات بدائية تركت الكهوف ورمت الأقواس والسهام، وجلست عبر أجيال وأجيال حول النار تتباحث بشأن مساعدة الفقراء والمرضى وتحويل مخلفات الصحراء وشجر الغابات إلى ملجأ آمن للمجتمع، ندرك أن ما حدث ببساطة هو بفعل حبنا للقراءة.
رشا المالح
