في وسع أيٍّ منا أن يتحدث عن الأوكسجين الذي يتنفسه والكربون الذي يطرحه، وهو يشير إلى الهواء تحديداً دون أن يسمّيه، مثلما يمكن لأحدهم أن يتحدث عما يريحه وينعشه وهو يشير إلى العليل منه، وما يقلقه وهو يشير إلى العاصف فيه، مثلما يكون في وسع أي كان أن يضرب مثلاً في تفاوتات القوة: إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراًن ولكن الهواء يبقى خارج التذكير، وهو في تنوع مسمّياته وألقابه خلاف بقية العناصر الأخرى في الطبيعة، كالماء والتراب مثلاً.

إبراهيم محمود

الهواء تأويل لا محدود، عدم لكل ما يصله تحديداً باضطراد، يكون المضمر والمصرَّح به، يكون على تماس مباشر مع كل شيء، إن لم يكن لافتاً الأنظار إليه، يسمّي سواه لحظة تحوله، إذ إنه مع لحظة السخونة الأولى يستحضر النار، ومع لحظة البرودة الرطبة الأولى يشير إلى الماء، وفي الجفاف اللافت يحثنا على تأمل التراب في يبوسته، فهو المرسَل والمتلقي، الصامت والراعش والمزمجر، يصل بين العناصر، يداخل هنا وهناك، كما هي شفافيته الكبرى، وحتى على صعيد الحواس، لا سلامة أو قيمة لحاسة ما دون وجوده، وكأنه ضيف الشرف الذي لا يُتجاهَل، المعرَّف باسمه أولاً في كل ما يعنينا، فيما نسمع مع تنوع حالات السمع والأصوات التي نسمع، وفيما نلمس، كما لو أننا نقدّر في الأشياء صلابتها ونعومتها، طراوتها وخلافها، نتذوق الطعوم أو نشم الروائح بتوافر اللازم منه، نكون به مثلما نعدم إن فارقنا في قليل من الزمن.

ربما يثير الهواء في داخلي وأنا أحاول تخيله، ما لا يمكن التأكد منه أو تلمسه، أو كيفية النظر إليه، فهو لغز حياتي، كوني، إذ يصل بين الكائنات مثلما يتكتم عليها، العشاق يقدّرون فيه هدوءه، مثلما يخشون حساسيته الفارقة مع النأمة الواحدة، وهم غاطسون في صمتهم الهادر داخلاً، مثلما الذين يمارسون تلصصاً أو تجسساً على سواهم، وفي وضعية حذر شديد، وحده الهواء في مدى انتشاره وطريقته، يوفر الغطاء الأمني أو نقيضه، فهو الجامع بين النقائض الكيميائي المناخي والطبيعي الأكثر إثارة للاستغراب، كما يعلم الرحالة أو أهل السيَر فيما ينتهجونه من اقتفاء آثاره في البر والبحر، كما هم قاطعو الصحراء، أو الذين يمخرون عباب البحر في سفنهم الشراعية، وكيف يتوسلونه وفق اعتبارات تتفاوت بحسب جهة الإبحار والمنطقة، فهم عالقون فيه عائدون إليه.

في الهواء المجرد من اسمه، كما لو أن التلفظ باسمه خرق للمنسوب إليه، لما يميّزه عن سواه، فالتسمية تأكيد للمؤكَّد وهذا اعتلال أو اختلال في ذات المسمّي، ولكن أخذ العلم به على مدار الساعة حتى اللحظة ضرورة وقائية، وعلامة تنبه للغفل من اسمه وهو الذي لا يُغفَل له اسم، لا يُتنكَّر لمقامه مطلقاً.

إن كل ما يحمَّل به لا يخصه، إنما يرتد إلى من يودعه ما ليس منتمياً إليه، فهو الهواء في اسمه، حالات اشتقاقه فيما يعرَف به، لا شأن له بمن يطلب وفاته أو يطلب حماية منه، لا شأن له بما يُسمُّون بـ «فرسان الهواء»، وهي إحالة بلاغية تنال منه، وهو خارج حكم الاستعارة، الهواء الذي لا ينقسم على نفسه، لا يناقض بعضه بعضاً، بقدر ما تتنوع بنوده فيما يحل به وهو في رحابة حضوره، في الطلب الدائم عليه حياتياً، الوحيد الذي مازال قابلاً للتعرف إليه دون موانع، والأكثر قابلية للتبلبل من خلال المحاولات الساعية إلى إخراجه من طبعه الهوائي المعهود في تلويثه أو سلخه الكلي عن وظيفته التاريخية التليدة، عبر التحكم في تركيبه.

إن نصاً كما الهواء في ثراء تعابيره وتنوع أدواره، يكون النص الاستثنائي الجامع بين حضيض الشيء وذراه، رغم أن حضوراً وافراً فينا، من حولنا، ينسلخ عن ذاكرة القاع كما عن ذاكرة القمة، معلقاً فيما لا يسمّيه، وهنا يكون الدرس الأكثر بؤساً الأكثر تعاسة، الدرس المستقى من الهواء خلاف هوائياته كلياً!