«بعيدا عن الكتب» كتاب صدر للمرة الأولى في نهاية عام 2006 وتعيد جامعة هارفارد اليوم طباعته، بعد إعادة مؤلفه سودير فنكاتيش النظر فيه، وبعد نيله «جائزة ميلس» الشهيرة عام 2007. ويحمل الكتاب عنوانا فرعيا ذا دلالة واضحة على مضمونه حيث جاء فيه: «الاقتصاد الخفي ? السرّي- في الأوساط المدينية». وهو يخص بتحديد أكبر أحياء السود الفقيرة في جنوب شيكاغو.
إن المؤلف يصطحب في الواقع قارئه إلى أحد «حدائق» جنوب شيكاغو حيث يجتمع السود ويحاول أن يكشف عن الآليات اليائسة والخطيرة والخارجة على القانون وعلى نمط الحياة الأمريكية المألوفة التي يمارسها المعنيون من أجل المحافظة على بقائهم. وصف السمات الأساسية التي يطلقها المؤلف على هذه الآليات هي أنها «غير مقنونة» و«غير خاضعة للضرائب» و«غير مألوفة» بحيث أنها تشكل إجمالا عاما «منظومة حياة بعيدة عما تتداوله الكتب»، إنها منظومة «سريّة» تحكم قوانين الحياة اليومية في الأحياء المغلفة ? الغيتوات- على السود. ويقدم سودير فنكاتيش توصيفا ل«النشاط الاقتصادي في الأحياء المغلقة على مكوّن سكاني معيّن»، والمقصود بذلك السود في سياق جنوب شيكاغو.
ويتنوّع العاملون في هذا «القطاع الاقتصادي» بين النسوة اللواتي يقمن بأعمال التنظيف والخدمات المنزلية أو اللواتي يقمن بتحضير وجبات الطعام للمستشفى المحلّي، وأصحاب مختلف أنواع المهن والتجارات الصغيرة كصاحب المرآب في أحد الشوارع الجانبية الذي يقوم بمختلف عمليات تصليح السيارات لكن دون أية فاتورة، والباعة المتجولون لمختلف أنواع السلع، من الأحذية إلى الفواكه. هذا ناهيك عن الانتشار الكبير لباعة المخدرات بكل أنواعها «الخفيفة» و«الثقيلة» وبصورة شبه علنية. بكل الحالات يبيّن مؤلف هذا الكتاب كيف أن مختلف هذه النشاطات تشكّل «النخاع الشوكي» للاقتصاد في هذه الأحياء المغلقة.
إن هذا الكتاب يقدّم تأريخا للحي الذي «تزدهر» فيه هذه التجارة. ونفهم أن المنطقة المعنية كانت بداية مأهولة غالبا بالعمّال المهاجرين من ايلرندة، لكن الأمريكيين السود ذوي الأصول الإفريقية المهاجرين من إيرلندة، لكن الأمريكيين السود ذوي الأصول الإفريقية سادوا فيها منذ أواسط القرن العشرين حيث استقروا فيها بسبب انخفاض إيجار المساكن بصورة خاصة. ورفد الوجود الأسود وفود أعداد كبيرة من ولايات جنوب أمريكا إلى شيكاغو واستقرارهم في جنوبها مما دفع المالكين «البيض» إلى النزوح بعد فترة من «المقاومة».
وتدريجيا شكّل الأميركيون من أصول إفريقية نوعا من «المدينة داخل المدينة». هكذا خلق السود «عالمهم» حيث ازدهرت صحافة «سوداء» وقامت جمعيات «سوداء» للمطالبة بالحقوق. لكن التزايد الكبير في عدد السكان جعل الواقع الاقتصادي للمعنيين صعبا وفي مثل ذلك السياق نما اقتصاد سري، بالتوازي مع الاقتصاد المديني الشرعي، لكن بالتمايز عنه بنفس الوقت. ذلك أنه لم تكن هناك فرص عمل كافية لاستيعاب اليد العاملة السوداء كلها. وبنفس الوقت الذي كان فيه الميسورون من البيض يرفضون تشغيل السود حسب الأصول القانونية كانوا يلجؤون إلى تشغيل النساء الملوّنات كخادمات ومربيات أطفال مع الدفع لهن «تحت الطاولة». في مثل ذلك السياق «تابع الاقتصاد البديل ازدهاره وأصبح الاقتصاد البديل سريعا له الأرجحية بالنسبة للسود من سكان الحي»، كما يكتب المؤلف.
وكتاب يقدم مؤلفه في المحصلة تحليلا استثنائيا للحدود بين الاقتصاد «المشروع» والاقتصاد «غير المشروع» مع تقديم الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تؤدي إلى التهميش المخيف لمجموعة من السكان داخل الإطار العام الذي يعيشون فيه.
المؤلف في سطور
سودير فنكاتيش هو أستاذ علم الاجتماع في جامعة كولومبيا الأميركية ويعني خاصة بدراسة المسائل المتعلقة بالأميركيين ذوي الأصول الهندية والإفريقية. المؤلف من مواليد الهند وتلقى تعليمه في جامعة شيكاغو. وفي شيكاغو أيضا مارس العمل بعد تخرجه من الجامعة في إطار مهمة اجتماعية بأحياء المدينة الفقيرة قبل أن ينتقل للتدريس في جامعة كولومبيا. من مؤلفاته: «المشروع الأميركي صعود وسقوط حي حديث» الصادر عن جامعة هارفارد.
الكتاب: بعيدا عن الكتب
تأليف: سودير فنكاتيش
الناشر: جامعة هارفارد لندن 2008
الصفحات: 448صفحة
القطع: المتوسط
Off the books
Sudhir Alladi Venkatesh
Harvard University Press London 2008
448P.