يقدّم المؤلفان تيم دولاني، تيم ماديغان في كتاب «المدخل إلى سوسيولوجيا الرياضة» رؤية شاملة عن المظاهر الإيجابية للرياضة في مختلف مشاربها وأنواعها ويبينان كيف أنها أثّرت، ولا تزال تؤثر، على القيم والثقافة العامة لدى كل شعب وأمة. ويتم التأكيد بشكل خاص على الدور الذي تلعبه الرياضة في المدارس والجامعات وفي المجتمع عامة للحد من مختلف أشكال العنف والتمييز العنصري والتمايز العقائدي والتفاوت الطبقي.
ومن السمات الإيجابية الأساسية للرياضة التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب أنها وسيلة فعّالة للاندماج في نسيج اجتماعي واحد وتجاوز كل ما يمكنه أن يكون عاملا في الانكفاء والتقوقع على الذات تحت عنوان الإثنية أو الإيديولوجية العقائدية أو لون البشرة أو الانتماء إلى هذه الشريحة الاجتماعية إلى تلك. كذلك تلعب الرياضة، حسب التحليلات المقدّمة، دورا إيجابيا في مجال التربية الأخلاقية والصحية في المجتمعات التي توليها أهمية خاصة. لكن يتم في جميع الحالات ربط «وظيفة» الرياضة بعدد من العوامل التي لا بد من توفرها في «الغطاء الاجتماعي» المعني بها كي يكون لها تأثيرها الفعّال في القيم والثقافة العامة لمجتمعاتها. ذلك أن عملية التطور الاجتماعي تقوم على أساس كلّ متكامل وليس على أسس انتقائية «هنا وهناك».
بالنسبة لدور «الاندماج الاجتماعي» الذي تلعبه الرياضة في المجتمعات ذات المكوّنات المتنوعة اثنيا وعقائديا وعرقيا بسبب عوامل تاريخية «استعمارية» أو بسبب حركة الهجرات، القسرية أو الطوعية، في العالم، يتم التأكيد على أن الرياضة يمكن أن تشكّل «دواءً ناجعا» للمشاكل المترتبة على العنف في المدن. لكن يتم الاعتراف في هذا السياق أن التجارب على أرض الواقع فيما يخص الرياضة كعامل «ضبط مديني» لم تعط النتائج المرجوة منها، الأمر الذي تتم إعادته لعوامل تتعلق بالسياق الاجتماعي العام للمدن المعنية وليس للرياضة.
ومن المشاكل الأساسية التي يتم التركيز عليها بالنسبة للرياضة في السياق العالمي الراهن هناك «البعد الاقتصادي» للممارسات الرياضية عبر وجود نوع من الرابطة «العضوية» بين الرياضة والتلفزيون والأعمال التجارية-البزنس. وتشير الأرقام إلى أن المبيعات السنوية للصناعة الرياضية في الولايات المتحدة الأميركية تبلغ عدة عشرات المليارات من الدولارات. كما أن نسبة تقارب ال80 بالمئة من الأميركيين هم في عداد «مشجّعي الرياضة». ثم إن «هيمنة التلفزيون» على الرياضة تتعاظم أكثر فأكثر منذ سنوات وجمهور مشاهدي المباريات الرياضية يتعاظم هو الآخر.
هذا «المظهر الاقتصادي» للرياضة و«الهيمنة» التي يمارسها التلفزيون عليها يرى فيها نقّاد الرياضة أداة تستخدمها الشركات والمجموعات الكبرى مثل اديداس وغيرها من أجل زيادة أرباحها. لكن مؤلفي هذا الكتاب يريان بها أيضا، بالإضافة إلى الاعتراف بمثل هذه الحقيقة، وسيلة لإيجاد فرص العمل للآلاف الذين يعملون في هذا القطاع، وبحيث أنه لا يمكن إهمال هذه الوظيفة الاجتماعية-الاقتصادية للرياضة. هذه «الوظيفة» لا يمكن فصلها أيضا عن عالم «الاستعراض الرياضي» في مجتمع يمكن وصفه هو الآخر أنه «مجتمع الاستعراض» الذي يؤكد على مفاهيم المنافسة والكمال والألعاب وغيرها مما هو شائع في «قاموس الرياضة».
بكل الحالات تحررت «سوسيولوجيا الرياضة» من سطوة الأحكام الإيديولوجية إلى حد كبير لتغدو تحت سطوة قوانين السوق. ويرى المؤلفان أنه من المطلوب تعزيز المبادئ الأخلاقية في عالم الرياضة. ذلك على أساس أن الرياضة ليست مجرد ألعاب وإنما هي أيضا حاملة لرهانات تخص الجسد وتخص العقل أيضا. ومن هنا تأتي أهميتها التربوية والأخلاقية. من هنا أيضا يتم الحديث عن «التربية البدنية» في المدارس وليس عن «الرياضة». المهم أكثر إذن يكمن في «القيمة التربوية». هذا لا ينفي واقع أن الاهتمام بالإتقان و«الكمال» يؤدي بالضرورة إلى مفهوم «المباراة» الذي يتماشى في إطار العولمة مع مفهوم «المنافسة» في السوق. لكن الرياضة هي «نشاط اقتصادي نوعي» وذلك تحديدا بالمعنى الذي تحتوي فيه على «قيم أخلاقية» لا وجود لها في المكوّنات الأخرى لأشكال اقتصاد السوق.
المؤلفان في سطور
عمل تيم دولاني أستاذا لعلم اجتماع سوسيولوجيا- الرياضة في جامعة نيويورك وكان رئيسا للجمعية السوسيولوجية في هذه المدينة خلال دورتين. له العديد من المقالات والدراسات في مجال اختصاصه. من كتبه «النظرية الاجتماعية الكلاسيكية» ، و المؤلف الآخر تيم ماديغان، هو أستاذ للفلسفة وكان لسنوات عضوا في هيئة تحرير مجلة «الفلسفة الآن»، ومديرا تنفيذيا لمجلة «التحقيقات الحرّة» خلال سنوات 1986-1998 ومديرا للقسم الإعلامي في جامعة روشستر 1999-2004. ألقى محاضرات في العديد من العواصم العالمية، ومن بينها القاهرة.
الكتاب: مدخل إلى سوسيولوجيا الرياضة
تأليف: تيم دولاني تيم ماديغان
الناشر: ماكفرلاند وشركاؤه - نيويورك 2009
الصفحات: 336صفحة
القطع: المتوسط
The sociology of sport : an introduction
Tim Delaney, Tim Madigan
McFarland and Company N.Y2008
336P.