يسعى هذا الكتاب حسبما يشير مؤلفه في تقديمه له إلى الكشف عن الدور الكبير الذي لعبه الدين في تشكيل ما يصفه بالهندسة العامة للأطروحة الأميركية بأطرها الأيديولوجية والثقافية والسياسية والإستراتيجية.
وهو ما يتيح للقارئ إثر الفراغ منه معرفة اتساع نطاق تأثير مساحات الفعل اللاهوتي المسيحي البروتستانتي من أثر كبير في نشوء أميركا، وهو الفعل الذي يمكن معه القول أن أميركا في التحليل الأخيرة ظاهرة دينية بامتياز، الأمر الذي يؤكد عليه المؤلف بقوله «كل الكلام الذي يجري حول مهمة أميركا في العالم يظل محفوفا بالنقص ما لم يتعلق بالأصل الروحي والفلسفي الذي قامت ولادتها عليه».
وفي إطار استعراضه لموضوعه يعمد المؤلف إلى توضيح الأسس الدينية والفلسفية والأيديولوجية التي ساهمت في ولادة الاستثناء الأميركي التاريخي بما هو استثناء يقوم على بناء دولة وأمة ذات طابع رسالي كوني وغايته الإحاطة بالعالم انطلاقا من قواعد الغلبة والسيطرة المطلقة. وعلى أساس هذا الإطار العام يبدأ المؤلف محمود حيدر في البحث في أطروحته المركزية الممثلة في مقومات الظاهرة الأميركية بوصفها ظاهرة دينية ما بعد إمبريالية.
ثم يتناول المؤلف بعد ذلك طبائع أميركا الأولى أو ما يصفه بفلسفة الولادة عارضا من خلاله قصة ولادة أميركا ودور الإيمان الديني كعامل حاسم ومكون في بلورة هذه الفلسفة وتظهيرها.
كما يمهد للعناصر التأسيسية التي نشأت عليها الأطروحة الأميركية من خلال بيان الدور الذي اضطلعت فيه النخب «الطهرانية» الإنكليزية بصيغتها الأميركية لجهة بلورة ديانة عملية من سماتها جمع اللا متناهي الديني إلى الخرائط التفصيلية لبناء العالم الجديد. وعلى خلفية هذا الفهم يقول المؤلف أن كريستوفر كولومبوس مثلا لم يكن سوى الرمز الدال على طبيعة هذه الديانة التي ستؤسس ما يمكن وصفه باللاهوت الأرضي أي ذلك اللاهوت المنبسط على ساحة الأرض الجديدة المكتشفة.
ثم بين أن الجدل الديني في أحقاب أميركا الأولى لم يكن مفارقا لمسار الاجتماع والسياسة والفكر، فكل حركة أو جماعة دينية كان لها حظ ما في الحراك المشترك بين الديني والدنيوي، بل أكثر من ذلك فقد كان ثمة ضرب من علاقة تداولية يتكامل فيها الميتافيزيقي مع العلماني رغم خطوط الاحتدام فيما بينها ضمن سياق الصراع على تشكيل الدولة والمجتمع والمؤسسات وموقع الدين والإيمان الديني في هذا الصراع.
ويخلص المؤلف من تناوله إلى أن فلسفة الولادة تظهر أن الطريقة الأميركية قامت على الجمع بين شيئين متعاكسين هما التدين والحرية، على النحو الذي زود الأميركيين بخاصة الوصل والفصل بين العلمانية والدين حسب اقتضاء مشروعهم الحضاري.
ثم ينقلنا المؤلف إلى ما يصفه بمثلث الأصولية والليبرالية والإنجيلية في معرض تناوله أميركا بما هي دولة دينية ويعرض لهذه الجوانب كمكون مثلث الأضلاع للتيارات الدينية الثلاثة الرئيسية في التاريخ الأميركي وإن ركز بشكل أساسي على المرجعية البروتستانتية التي لم تكن حسبه سوى الدين المسيحي الجديد الذي سيؤسس للميتافيزيقا الثقافية والسياسية للأمة الناشئة.
ثم يقدم لنا حيدر في فصل ثالث قضية فلسفة المكان مع عرض لمفارقات النزعة القومية الأميركية. ويقرر أن المكان فكرة الأرض لساكنيها الجدد ينبسط كعنصر مؤسس في الفلسفة السياسية الدينية الأميركية، وهو حاضر وحضور العين في مجمل مكوناتها، فلا تغادر الجغرافيا التي حل فيها المهاجرون مقاصدها الرسالية وأبعادها الميتافيزيقية.
وهنا فإنه من المفارقات التي يشير إليها المؤلف تلك الماثلة في أنه في الوقت الذي تعد كلمة القومية بغيضة وغير مستحبة في الثقافة السياسية فإن أميركا تسجل أعلى نسبة من بين دول العالم في استظهارات الفخر القومي لدى شعبها.
ثم يعرج بنا المؤلف في الفصل الرابع على قضية بالغة الأهمية تتمثل في التأصيل لمعنى أميركا الإسرائيلي، أي للجذور اللاهوتية والفلسفية التي استند إليها المؤسسون الأوائل لصوغ البناء المعرفي للأطروحة الأميركية محاولا من خلال هذا التناول تقديم ما يعتبره بيان «المشترك المعنوي» للمنشأتين الأميركية والإسرائيلية من حيث السمة الاستيطانية لكل من الولادتين وذلك على أساس القاعدة التي تقول بوجوب إحلال شعب لا أرض له في ارض لا ينبغي لمن يقطنها أن يكون له أرض..
وكذلك على أساس السمة اللاهوتية التوراتية التي تبرز الوجه الميتافيزيقي للظاهرتين الأميركية والإسرائيلية مع ما لهذا الوجه من أثر حاسم في ترسيخ الطابع الرسالي لكل منهما.ينتقل بنا حيدر إلى واحد من أبرز مكونات التجربة التاريخية الأميركية وهي فلسفة الحرب ويعرض لهذا الجانب من وجه كونه سمتا لاهوتيا وسياسيا واستراتيجيا لسلوك أميركا منذ نشأتها مشيرا إلى ترتب منظومة قيمية وأخلاقية وتربوية على فلسفة الحرب التي تتسم بالشمولية والسعة.
من هذا التأسيس الفلسفي نتابع مع المؤلف رؤية هادئة لتطورات الحقبة التي نحياها في مسيرة السياسة الأميركية تحت عنوان «الفوضى الدائمة» من خلال استقراء التحولات التي شهدتها الإستراتيجيات الأميركية العليا مع وصول تيار المحافظين الجدد إلى السلطة في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.
وحسب المؤلف فإن الفوضى الخلاقة إنما تمثل نظرية تتأتي من لاهوت سياسي يفترض وجود خطر وشيك من عدو يتهدد أميركا في كل لحظة، وعلى افتراض ألا يكون التهديد حاصلا بالضرورة من جانب دولة أو منظمة إرهابية بعينها وإنما يكفي أن يتم تصور مثل هذا التهديد أو توقعه على سبيل الظن حتى يؤخذ القرار بشن حرب.
ونختتم مع المؤلف استعراضه لرؤيته بشان التأسيس الديني للفلسفة السياسية الأميركية نقده لأحد أهم المآلات المنطقية المعاصرة لـ «لاهوت الغلبة» حيث يعرض للجدل الداخلي حول الإخفاقات التي تعرضت لها حروب أميركا في ميادين الجغرافية العربية الإسلامية بعد زلزال الحادي عشر من سبتمبر من خلال اتخاذ كتابات عدد من المفكرين الإستراتيجيين الأميركيين زوايا نظر نقدية لبيان طبيعة المراجعات التي عكف عليها هؤلاء في رؤية السلوك الإجمالي للفعاليات الأميركية المتأخرة ولا سيما فعاليات حقبة المحافظين الجدد.
الكتاب: لاهوت الغلبة
تأليف: محمود حيدر
الناشر: دار الفارابي مركز دلتا للأبحاث بيروت 2009
الصفحات : 366 صفحة
القطع: الكبير
مصطفى عبد الرازق