يحاول كتاب «الحياة السرية للكلمات» لهنري هتشنجر تقديم إجابات عن هذه الأسئلة والعديد غيرها. ولا تقتصر التحليلات المقدّمة على البحث والتدقيق في تاريخ اللغة الانكليزية وفي مفردات القاموس الذي تتألف منه، ولكنها تهتم أيضا، وأساسا، بشرح كيف أن الكلمات هي «شاهد على التاريخ»، وأنها تعكس إلى حد يعيد مسيرة التبدلات الاجتماعية التي عرفتها المجتمعات المعنية بها.
ويؤكد المؤلف على أن اللغة الانكليزية «التي يدرسها» هي لغة «متحركة» و«متطورة» باستمرار وتتسم بقدرة كبيرة على «امتصاص» الكلمات المأخوذة من اللغة الأجنبية. ولا يتردد في القول أن الانكليزية اعتمدت في قاموسها «الثري» على أكثر من 350 لغة في العالم، ومن بينها لغات بعيدة. هكذا يشير مثلا إلى ما أخذته من اللغة الهندية مثل كلمة «شامبو» ومن التركية مثل كلمة «كيوسك» الدالة على «أكشاك» بيع الصحف والمجلات.
ويعتبر هنري هتشنجر أن «الاستعارة» من لغات أخرى تتطلب «مناخا بسيكولوجيا» بالإضافة إلى المرجعية التاريخية. هكذا يمكن اقتفاء آثار «الرحلة» التي قامت بها هذه الكلمة أو تلك للدلالة على المسار الذي عرفته الحضارة الأصلية التي تنتمي إليها. لكن هذا لا يمنع واقع أن بعض الكلمات «الأجنبية» تدخل إلى اللغات بطريقة «لطيفة» بحيث لا يتم الإحساس بـ «متى دخلت».
وبالتوازي مع البحث في التاريخ البريطاني منذ بداياته بالاعتماد على المعطيات التي وفّرتها الحفريات الأثرية وصولا إلى العصر البرونزي الذي عرف، كما يبدو، السكان الأوائل الذين قطنوا الجزيرة المسماة اليوم بـ «بريطانيا العظمى» يبحث المؤلف أيضاً في تاريخية اللغة الانكليزية نفسها. هكذا يتم الحديث عن اللغة الانكليزية القديمة «الانكلو سكسونية» التي تمتد فترتها منذ حوالي عام 700 حتى القرن الحادي عشر».
يشير المؤلف بهذا الصدد إلى أن أول نص مكتوب باللغة الانكليزية يعود إلى عام 680 ميلادي. كان الانكلوسكسون قد استقرّوا في بريطانيا وانضمّت إليهم شعوب جرمانية على رأسهم «الجوتيون» القادمون من الدنمارك واستوطنوا بشكل خاص في المناطق الجنوبية من الجزيرة البريطانية. وكان القرن الخامس قد شهد منعطفا مفصليا في التاريخ البريطاني حيث دخل فيه سكان بلاد الغال والايرلنديين إلى المسيحية وتبعهم الاسكتلنديون في القرن السادس. اعتبارا منذئذ سادت الانكليزية القديمة بما عُرف بـ «فترتها الأولى».
وخلال القرن الحادي عشر بدأت «المرحلة الثانية» من حياة اللغة الانكليزية مع احتلال البلاد من قبل ملك النورماندي الفرنسية «غيّوم الثاني» الذي عُرف بعد انتصاره على الملك البريطاني «هارولد الثاني» بـ «غيّوم الفاتح» الذي أصبح ملكا على بريطانيا كلها وأبعد عن مراكز السلطة طبقة النبلاء الانكلوسكسون الذين لم يدعموه. كان الملك غيّوم وبطانته يتحدثون «اللهجة الفرنسية السائدة في النورماندي» وأحيانا اللهجة الانكليزية-النورماندية التي لم تكن الانكليزية ولا النورماندية التي كانت تحتوي على الكثير من الكلمات القادمة من الشمال مع «الفايكنغ».
أما ما يسمى بـ «اللغة الانكليزية الحديثة» فقد عرفت بداياتها في أواسط القرن الخامس عشر حيث كانت الفرنسية-النورماندية والانكلوسكسونية قد «امتزجتا» معا كي تعطيان اللغة الانكليزية الحالية. ويتم تحديد ثلاث مراحل لانتشار هذه اللغة. المرحلة الأولى امتدت من القرن الخامس عشر حتى أواسط الثامن عشر وتبعتها المرحلة الثانية حتى القرن العشرين. ويتم الحديث عن «الانكليزية المعاصرة» على أنها كانت لغة القرن العشرين.
وقد «تطعّمت» الانكليزية الحديثة والمعاصرة بالكثير من الكلمات اليونانية واللاتينية، وغالبا عبر اللغة الفرنسية. وكان الأدباء الكبار قد برعوا في الكتابة بهذه الانكليزية وليس أقلهم شأنا شكسبير، أما الكتابات العلمية فقد استمرّت كتاباتها باللغة اللاتينية. الأمثلة التي يتم تقديمها على «اغتراف» اللغة الانكليزية منذ القرن الخامس عشر من اليونانية واللاتينية عديدة. ويشار هنا إلى أن الكلمات «ذات الأصل اللاتيني»، لغة الانجيل، كانت لها «مكانة أرفع» مع الكلمات الأخرى الانكلوسكسونية أو الجرمانية.
وأصبح استخدام اللاتينية بمثابة مؤشر على «التربية الانكليزية الجيدة». هذا ما عبّر عنه الكاتب الشهير جورج اورويل بالقول أن الكلمات ذات الأصل اللاتيني تخدم لتلطيف الكلام وتغيير واقع مقيت أما ذات الأصول الجرمانية فهي أكثر «سوقية» والأكثر استخداما من قبل الرعاع.
المؤلف في سطور
هنري هتشنجر كاتب بريطاني من مواليد عام 1974. أنجز دراساته في جامعة اكسفورد. ساهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات الانكليزية، وسبق له وقدّم عملا لفت إليه انتباه النقّاد تحت عنوان «تعريف العالم».
الكتاب: الحياة السرية للكلمات
تأليف: هنري هتشنجر
الناشر: فارار وستروس وجيرو - لندن 2008
الصفحات: 448صفحة
القطع: المتوسط
The secret life of words
Henry Hitchings
Farrar Stauss Giroux London 2008
448 P