يقدّم المؤرخ الألماني هانس موهرنغ في كتابه «صلاح الدين الأيوبي» سيرة القائد المسلم الذي قاد جيوش المسلمين التي حررت القدس من قبضة الصليبيين عام 1187، ويركّز المؤلف في دراسته لسيرة صلاح الدين على الدور المركزي الذي لعبه في المنافسة التي كانت قائمة بين المسلمين والمسيحيين في القرن الثاني عشر.
كذلك يركز المؤلف على عدة ميزات في شخصية صلاح الدين لم يكن أقلّها تحلّيه بصفة القائد الذي استطاع أن يوحّد الجزء الأعظم من الشرق الأوسط. ويضاف إلى هذه السمة القيادية لديه يؤكد المؤلف أيضاً على أن صلاح الدين كان يمتلك ذهنية منفتحة على الآخر، بل انه حرص على إقامة روابط «تنويرية» مع الخصوم الأوروبيين. وفي المحصلة ترك إرثا عظيما لمن جاؤوا بعده. تجدر الإشارة هنا إلى أن «بول كوب»، أستاذ التاريخ العربي والإسلامي في جامعة بنسلفانيا هو الذي قدّم للكتاب في طبعته الانجليزية هذه، وهو يحاول أن يحدد السياق الجغرافي والسياسي والثقافي الذي عاش فيه صلاح الدين.
إن هانس موهرنغ يعود إلى الحديث عن تلك المعارك التي دارت بين المسلمين والصليبيين الذين بدا أن النصر كان بجانبهم في المراحل الأولى بعد أن خسرت قوات صلاح الدين أعدادا كبيرة من المقاتلين بالقرب من صفد والكرك وحيث استطاعت القوات الصليبية المحافظة على القلاع والأماكن التي كانت تتحصّن بها. لكن الغلبة في النهاية كانت لمعسكر المسلمين.
ويتحدث المؤلف، مثلما هو الحال في كتابة السير، عن المحطات الرئيسية في حياة صلاح الدين منذ ولادته في بلدة تكريت العراقية، على ضفاف نهر دجلة. ثم هجرته المبكّرة مع أسرته إلى دمشق. ومن الصفات التي يتم التأكيد عليها في شخصيته منذ سنوات شبابه الأولى هناك الشجاعة التي ميّزته عن القادة الآخرين من أبناء جيله. ولقد شغل مناصب عديدة من بينها منصب سفير السلطان نور الدين حاكم دمشق آنذاك لدى خليفة مصر الفاطمي.
ومن الصفات الأخرى التي اتسم بها صلاح الدين يتم التركيز على صفة «الحلم» و«حس العدالة». وهو الذي يُنقل عنه جملة شهيرة مفادها أنه يفضل «العفو على أساس الخطأ مما هو العقاب دون حق». وإلى جانب «المحارب» كان هناك أيضاً صلاح الدين المفاوض الدبلوماسي. وهذه صفة يتفق حولها، كما يشير المؤلف، جميع المؤرخين الذين اهتموا بكتابة سيرة حياة صلاح الدين.
ومما يُنقل عنه أنه بعد الانتصار الذي حققه على الصليبيين، لم يتردد في استقبال «ملكهم السجين» الذي كان يأمر وينهى في المدينة لفترة طويلة. وتحدّث معه حسب ما تقتضيه الأصول الدبلوماسية المعروفة. ويؤكد هانس موهرنغ على أن صلاح كان يتسم، إلى جانب شخصيته القيادية الآثرة، بقدر كبير من فضيلة التواضع، وحرصه على مشاركة جنوده حياتهم.
هكذا كان قد خاض شخصيا معركة «حطين» الشهيرة في مطلع شهر يوليو من عام 1117 وهي أحد أشهر المعارك التي خاضها طيلة حياته، ذلك أنها فتحت أمامه أبواب القدس اعتبارا من شهر أكتوبر من نفس السنة، وكذلك أبواب مختلف المناطق التي كان يسيطر عليها الفرنجة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط والتي استطاع فرسانه الاستيلاء عليها كلها خلال عام 1188.
بهذا المعنى ارتبطت سيرة حياة صلاح الدين بالمخيلة الجماعية للعالم الإسلامي بالحروب الصليبية. للإشارة كانت هذه الحروب قد استمرت من القرن العاشر حتى القرن الثالث عشر، وعرفت ثماني حملات إجمالا. ويرى هانس موهرنغ أن الشهرة الكبيرة التي حظي بها صلاح الدين الأيوبي لدى المسلمين قاربت حدود «الأسطورة»، رغم أن الأحداث التاريخية التي عاشها معروفة للجميع.
إنه جسّد، ولا يزال يجسد، إلى حد كبير شخصية البطل، وفي فترة كانت الحضارة العربية والإسلامية في أوج ازدهارها. هكذا مثل بنفس الوقت البعدين الأساسيين لـ «المقاوم» و«المنتصر» وفي وقت كان فيه الغرب المسيحي يعيش عصوره الوسطى المظلمة. في المحصلة يرى هانس موهرنغ أن حياة صلاح الدين الأيوبي عرفت هدفين أساسيين يتم تحديدهما بتوحيد مسلمي سورية ومصر تحت سلطة واحدة، والهدف الثاني النضال ضد الفرنجة، واستعادة الأراضي التي كانوا يحتلّونها في فلسطين وطردهم من عموم المشرق.
فنّ الحرب
إن أكبر «الفنون» التي برع بها صلاح الدين «فن الحرب» وهو الذي أمضى شطرا كبيرا من حياته قائداً على رأس جيوشه حيث خاض المعارك على جبهات عديدة. لكن مفخرته الكبرى في العالم الإسلامي تبقى هي انتصاره على الصليبيين واسترداد القدس منهم.
المؤلف في سطور
هانس موهرنغ هو مستشرق ألماني أخصائي بالعصور الوسطى، ويقوم بالتدريس منذ سنوات في جامعة «بايروت» الألمانية. له العديد من الدراسات في الدوريات المختصة.
الكتاب: صلاح الدين، السلطان وعصره 1138-1193
تأليف: هانس موهرنغ
الناشر: جامعة جون - هوبكنز 2008
الصفحات: 144صفحة
القطع: المتوسط
Saladin، the sultan and his times 1138-1193
Hannes Mohring
John Hopkins University 2008
144 P